بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى الحق في بعض الأمور ولكن يمنعه خشية أن يظن الناس به ظنا خاطئا، كقوله لعائشة: (( لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة... إلخ ) )، وكقوله: (( لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ) ).
فلا نكير على العالم إن سار هذا المسير، أو نهج هذا النهج.
وأنت تلاحظ أن كبار العلماء وفحول الرجال ينهجون هذا النهج فلا يفتون الفتوى إلا منضبطة بالضوابط الشرعية والضوابط الكلامية حتى لا يؤخذ الكلام على عواهنه ويفهم بالفهوم الباطلة ثم يسير كل مسار وينكر عليه كل منكر.
وأنت ترى الناس حاليا إذا استشهدت بقول العالم في مسألة يحتجون عليك بأنه أخطأ في المسألة الفلانية أو شذ في المسألة الفلانية، ولولا أن الحق معتبر عندهم بالرجال لما كان لما قالوه فائدة، إذ لو سلمنا أنه أخطأ في مسألة فليس شرطا أن يكون قد أخطأ في كل مسألة كما هو واضح.
ولكن المشكلة أن الخطأ إذا كان واضحا أو شاذا فإن ذلك يؤدي إلى أن يطرح الناس قوله كله، وهذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال (( إياكم وزلة العالم... اجتنب من قول العالم الكلمة الشاذة التي يقال لها ما هذه ) ).
ولولا أن الرجال معتبرون في الحق وتأثيره على الناس ما قال النبي صلى الله عليه وسلم (( أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان ) )، وإنما كان ذلك كذلك لأن العالم إذا زل زل بزلته عالَم.
ولولا أن الحق معتبر بالرجال ما قال الناس أمثال هذه الجمل: هل أنت أعلم من فلان، هل فلان أعلم من فلان؟ وهذا إن اعترضنا عليه في أحيان فإنه لا يسعنا إلا أن نذعن له في كثير من الأحيان.
وكثير من الناس يطمئن قلبه للفتوى بمكانة من يفتون بها، فإن سمعت القائل يقول: أفتى بذلك ابن باز أو ابن عثيمين أو الألباني أو اللجنة الدائمة.. أو.. أو، فإن القلب يطمئن إلى هذا القول، ولذا صار بعضُ الكذبة يدعمون أقوالهم بنسبة فتاوى باطلة لأمثال هؤلاء الجبال.