فهرس الكتاب

الصفحة 11024 من 19127

والمقصود أن المسألة انصرفت إلى أن نوازن بين قول رجال ورجال، وليس أن يقال: اعرف الحق تعرف الرجال.

وإذا أتيت إلى النحو تجد الرجال لهم التأثير الكبير فيه في جميع الاتجاهات، وما أمر سيبويه منكم ببعيد، فكم منتصر له ومتعقب، والتأثر بعبقرية سيبويه النحوية كان له أثر كبير في ميل كثير من المتأخرين لمذهبه.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته فأقضي له بنحو ما أسمع... ) )فالنبي صلى الله عليه وسلم بين هنا أن ذا البيان الفصيح، أو ذا المنطق البليغ يمكنه أن يصوغ من الكلام جواهر ودررا بحيث يقتنع السامع بكلامه - وليس هو أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيصور الحق باطلا والباطل حقا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن من البيان لسحرا ) )، ولولا أن البيان بهذه المنزلة ما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

فعلم مما سبق أن الجماهير الغفيرة قد تتأثر بقول الباطل إذا صدر ممن له مقدرة بيانية عالية بحيث يجيد وضع الباطل في صورة الحق، أو وضع الحق في صورة الباطل.

وليس شرطا أن يكون ذلك عن تعمد، بل قد يكون مقتنعا بما يقول، ولكنه يطوع مقدرته البيانية والبرهانية في إثبات ما يراه صوابا أو إبطال ما يراه باطلا.

وقد ذكر ابن رشد وغيره أنواع الخطاب ومنها الخطاب الجدلي والخطاب البياني والخطاب البرهاني، وذكر أن العامة لا يؤثر فيهم إلا الخطاب البياني.

وهناك مسألة أخرى، وهي أن العالم أو الباحث قد يكون مقتنعا بشيء وصل إليه بعد سنوات من البحث، وبعد سنوات من البحث والاطلاع، ولكنه لا يستطيع أن يبوح به؛ لأنه يعلم أن ذلك قد يضعه في قائمة المخالفين أو الشواذ، وبذلك يهدر قوله كله فيما أصاب فيه أو أخطأ، ولذلك كان ابن عباس رضي الله عنهما يخفي بعض قوله على عهد عمر رضي الله عنه ثم أعلنه بعد وفاته، وكذلك غيره من الصحابة رضي الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت