وظلا كذلك يسيران ببطء شديد وحذر كبير نحو بحرة ماء قريبة تقع على مستوى الأرض مخصَّصة لسقاية الحَيَوانات من بغال وخيل وحمير، ولملء قرب الرشاشين الجلدية الذين كانوا يرشون الطرقات في الصيف ابتغاء الرطوبة والخلاص من الغبار.
وحين وصل الاثنان إلى بحرة الماء أنزلا الكرسي بلطف وهدوء كما رفعاه وجعلاه على شفير البحرة، وجعلا وجه أبي عليها وقدميه من فوقها. ثم عادا القهقرى على رؤوس أصابعهما حتى صارا قريبين من الفُرن.
أخرج أبو عصام صافرته وصفر بها وصاح: يا أبا علي، ولم يجب أبو علي؛ لأنه كان تحت سلطان النوم.. وصفر أبو عصام ثانية وثالثة، وتوالى صفير أبي عصام وصياحه، وسمع العجَّان ذلك من داخل الفُرن ففتح بابه وصاح بأعلى صوته: (( يا أبا علي الدورية ) ).
تداخلت الأصوات في أذني أبي علي من صفير وصراخ فاستيقظ مذهولاً مذعوراً، وهبَّ واقفاً ليجيب دعاء أبي عصام، وسمع الثلاثةُ صوت جسم يسقط في الماء، ذلك أن قدمي أبي علي كانتا فوق الماء، فلما استيقظ وَهلاً لم يدر أين هو وسقط في الماء.
مضت دقائق قبل أن يُقبل أبو علي والماء يتقاطر من رأسه وملابسه، ورجلاه تُجرَّان في حذائه الممتلئ ماء فتُحدثان صوتاً غريباً، وحين وصل قبالة أبي عصام أخذ التحية العسكرية ووقف كالخشبة لا ينطق ولا يتحرك ولا ينبس ببنت شفة.
وسأله أبو عصام بهدوء وكأنه لم يفعل شيئاً: ماذا صنعت بنفسك، وما الذي جعلك مبتلاً هكذا؟ أتغتسل بملابسك في وقت العمل يا أبا علي؟
وتسمَّر أبو علي فلم يجب وهو ينظر إلى دائرة من الماء تحيط به والماء يتساقط من رأسه.. وقال أبو عصام: مالك يا أبا علي؟ هل أصابك مكروه؟
وانفجر أبو علي قائلاً: ستر الله عرضك في الدنيا وسترك في الآخرة استر علي، إني أعلم أني مخطئ وقد تماديت في خطئي، وأقسم لك أني لن أنام بعد اليوم.
وقال أبو عصام: أيش، هل كنت نائماً أم كنت تغتسل؟
وعاد أبو علي يتوسل إليه ويعتذر ويعد بألا يعود إلى النوم.