وأمَّا الغرض الثَّاني: وهو كونُهُ هدايةً للنَّاس إلى ما فيه سعادتهم في الدارين، فذلك باستنباط الأحكام والإرشادات منه، وهذا يرجع بعضُهُ إلى المعاني الأصلية التي يشترك في تفاهُمِها وأدائها كُلّ النَّاس، وتَقْوَى عليها جميع اللغات، وهذا النوع من المعاني يمكن ترجمته واستفادة الأحكام منه، وبعض آخر من الأحكام والإرشادات يستفاد من المعاني الثانوية، ونجد هذا كثيرًا في استنباطات الأئمة المجتهدينَ، وهذه المعاني الثانوية لازمةٌ للقرآن الكريم، وبدونها لا يكون قرآنًا، والترجمة الحرفية إن أمكن فيها المُحافظة على المعاني الأولية، فغير ممكنٍ أن يحافظَ فيها على المعاني الثانوية، ضرورة أنها لازمة للقرآن دون غيره من سائر اللغات.
ومما تقدَّم يعلم: أنَّ الترجمة الحرفية للقرآن، لا يمكن أن تقوم مقام الأصل في تحصيل كل ما يقصد منه؛ لما يترتَّب عليها مِن ضياع الغرض الأوَّل برُمّته، وفوات شطر من الغرض الثاني.
وأمَّا الترجمة الحرفية بغير المثل: فمعناها أن يترجَم نظم القرآن حذوًا بحذوٍ، بقدر طاقة المترجِم وما تَسَعُهُ لغتُهُ، وهذا أمر ممكنٌ، وهو - وإن جاز في كلام البشر - لا يجوز بالنسبة لكتاب الله العزيز؛ لأن فيه من فاعله إهدارًا لنظم القرآن، وإخلالاً بمعناه، وانتهاكًا لحُرْمته، فضلاً عن كونه فِعلاً لا تدعو إليه ضرورة.
التَّرجمة الحرفيَّة ليست تفسيرًا للقرآن:
اتَّضح لنا مِمَّا سبق معنى الترجمة الحرفية بقسمَيْها، وأقمنا الدليل بما يناسب المقام على عدم إمكان الترجمة الحرفية بالمثل، وعدم جواز الترجمة الحرفية بغير المثل - وإن كانت ممكنة - ولكن بقي بعد ذلك هذا السؤال: هل الترجمة الحرفية بقسميها - على فرض إمكانها في الأول، وجوازها في الثاني - تسمى تفسيرًا للقرآن بغير لغته؟ أو لا تدخل تحت مادة التفسير؟
وللجواب عن هذا نقول: