الترجمة الحرفية للقرآن: إما أن تكون ترجمةً بالمثل، وإما أن تكون ترجمة بغير المِثْل، أمَّا الترجمة الحرفية بالمثل: فمعناها أن يُتَرْجَم نَظْم القرآن بلغة أخرى تحاكيه حَذْوًا بحَذْوٍ، بحيث تَحِلُّ مفردات الترجمة محلَّ مفرداته، وأسلوبها محل أسلوبِهِ، حتَّى تتحمَّل الترجمة ما تحمَّلَهُ نَظْمُ الأصل من المعاني المقَيَّدَة بكَيفِيَّاتها البلاغيَّة وأحكامها التشريعيَّة، وهذا أمر غير ممكن بالنسبة لكتاب الله العزيز، وذلك لأنَّ القُرآنَ نزل لغرضينِ أساسيَّيْنِ:
أولهما: كونُه آيةً دالَّةً على صِدق النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يُبَلِّغُهُ عن رَبِّه، وذلك بكونه معجِزًا للبشر، لا يقدِرون على الإتيان بمثله، ولو اجتمع الإنس والجن على ذلك.
وثانيهما: هداية الناس لما فيه صلاحهم في دنياهم وأخراهم.
أما الغرض الأول: وهو كونه آيةً على صِدق النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يمكن تأديته بالترجمة اتّفاقًا؛ فإنَّ القرآن - وإن كان الإعجاز في جملته لعِدَّةِ معانٍ؛ كالإخبار بالغيب، واستيفاء تشريع لا يعتريه خَلَل، وغيرِ ذلك مما عُدَّ من وجوه إعجازه - إنما يدور الإعجاز الساري في كُلِّ آيةٍ منه على ما فيه من خواصَّ بلاغيةٍ جاءت لمقتضِيات معيَّنَةٍ، وهذه لا يمكن نقلها إلى اللُّغات الأخرى اتفاقًا؛ فإنَّ اللُّغاتِ الراقيةَ وإن كان لها بلاغةٌ؛ ولكن لكلِّ لغة خواصُّها لا يشاركها فيها غيرها منَ اللغات، وإذًا فلو تُرجم القُرآنُ ترجمةً حَرْفِيَّة - وهذا مُحالٌ - لَضَاعَتْ خواصُّ القُرآن البلاغية، ولنَزل من مرتبته المعجزة إلى مرتبة تدخل تحت طَوْقِ البشر، ولَفَاتَ هذا المقصِدُ العظيم الذي نزل القرآن من أجله على محمد صلى الله عليه وسلم.