ويقول في موضع آخر: (وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه:(إنه لا يُتابع عليه"، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه) [15] ."
ويقول أيضاً عن القاعدة التي يتبعها الإمام أحمد بن حنبل في تفرد الثقة: (لأن قاعدته: أن ما انفرد به ثقة فإنه يتوقف فيه حتى يُتابع عليه، فإن توبع عليه زالت نكارته، خصوصاً إن كان الثقة ليس بمشتهر في الحفظ والإتقان، وهذه قاعدة يحيى القطان، وابن المديني وغيرهما) [16] .
وهذه النصوص وإن كانت في حق بعض الثقات، فهي تنطبق على من قيل فيه: (صدوق) من باب أولى لأنه أقل ممن قيل فيه: (ثقة) من حيث المرتبة، ثم إن الثقة هنا وفي بعض المواضع أحياناً تستعمل بمعنى القبول أي الراوي الذي يصلح حديثه للقبول، والصدوق داخل في ذلك ضمناً بلا شك.
وقد ألمح الحافظ ابن الصلاح قبل الذهبي وابن رجب إلى ذلك في قوله: (وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث) [17] ، لكنه لم يوضح الأمر كما فعلا، ولم يبين هل إطلاقهم على تفرد الثقة أم الصدوق أم الضعيف أم مطلق التفرد؟
وجاء الحافظ ابن حجر فأكمل النقص ووضح الخفي في كلام ابن الصلاح فقال: (وهذا مما ينبغي التيقظ له، فقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ(المنكر) على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده) [18] .
وتقرير هذا الرأي ونسبته لبعض النقاد أو لكثيرٍ منهم موجود في كلام بعض الحفاظ المتقدمين على ابن الصلاح، ولكننا أحببنا أن نذكر هذا المذهب أولاً من حيث الإجمال، ومن كلام كبار المصنفين في علم أصول الحديث، ثم نفصل في ذلك.