فإذا تعدى العقل حدوده وصادم الوحي كانت الهلكة والضلال، وهل طرد إبليس من الجنة إلا لما أخضع الأمر الإلهي لميزان عقله القاصر؟! فضلَّ وهوى؛ إذ أمره الله - تعالى - بالسجود لآدم، فلم يرتضِ عقله أن يسجد مَن خُلق مِن نار لمَن خلق مِن طين، فجادل وامتنع، فحقت عليه اللعنة {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [ص: 76- 78] .
وكفار مكة رفضوا الإسلام، وعارضوا القرآن؛ لأن عقولهم القاصرة مانعت أن يكون محمد اليتيم الفقير نبيًّا ورسولاً، وأرتهم عقولهم أن النبي لابد أن يكون عظيمًا غنيًّا قويًّا {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزُّخرف: 31] .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى:"والداعون إلى تمجيد العقل إنما هم في الحقيقة يدْعون إلى تمجيد صنم سموه عقلاً، وما كان العقل وحده كافيًا في الهداية والإرشاد وإلا لما أرسل الله الرسل" [6] .
وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى:"وكل من كان له مسكة عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما ينشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساده. وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل؛ بل هم شر من الحمير، وهم الذين يقولون يوم القيامة {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] " [7] اهـ.
إن السمع والطاعة، والقبول والإذعان لنصوص الشرع هو سبيل أهل الحق والعدل والإيمان، وإن الإعراض عن الوحي أو معارضته أو مجادلته هو سبيل المنافقين.