وما زاغ أهل الكلام قديمًا إلا لما سلكوا هذه الطريق الخاطئة، ثم تبعهم في هذه الأزمان أقوام كان جُلُّ حديثهم عن العقل ومنزلته في الإسلام، فغالَوْا في تعظيمه وتمجيده، حتى أعطوه السلطة المطلقة في الحكم على الوحي المنزل، تكذيبًا وتأويلاً، وردًّا وتحريفًا وما دفعهم إلى ذلك إلا هزيمتهم النفسية أمام الحضارة المادية الإلحادية الأوربية، التي ألَّهت العقل وأنكرت ما سواه؛ فحتى يكون هؤلاء العقلانيون متحضرين ومتفتحين لابد أن يحذوا حذو أهل الحضارة في تعظيم العقل، والمغالاة فيه، ولو على حساب النصوص الشرعية، فزاغوا وضلوا، ومنهم من ألحدوا وكفروا فأنكروا الغيب كله، ولم يؤمنوا بما لم يشاهدوا، وفي هذا يقول قائلهم:"يمكن للمسلم المعاصر أن ينكر كل الجانب الغيبي في الدين ويكون مسلمًا حقًّا في سلوكه" [3] ويقرر آخر أن:"البشرية لم تعد في حاجة إلى قيادتها في الأرض باسم السماء؛ فلقد بلغت سن الرشد، وآن لها أن تباشر شؤونها بنفسها" [4] !!
وحينما يتكلم هؤلاء الزائغون فإنهم يتكلمون باسم الإسلام؛ إمعانًا في الإضلال، وإصرارًا على الضلال؛ إذ يقول أحدهم:"فلقد حرر الإسلام العقل البشري من سلطان النبوة من حيث إعلان إنهائها كلية، وتخليص البشرية منها" [5] ، فهل بعد هذا الضلال ضلال؟! وتأملوا كيف يحاولون هدم الإسلام باسم الإسلام!!
إن ديننا بكماله وبيانه لم يعطل العقل أو يهمشه بل جعله مناط التكليف، فلا تكليف إذا فُقِد العقل، وهو أحد الضرورات الخمس التي جاءت شرائع الإسلام وأحكامه بلزوم الحفاظ عليها؛ ولكن في الوقت نفسه لم يكن العقل في شريعة الإسلام حاكمًا على الوحي؛ لأن للعقل حدوده، وأما الوحي فهو منزل من عند خالق العقل، ومن العليم الخبير الذي ذرأ العباد وهو أعلم بما يصلحهم.