أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً ورباهم بالإدراك والعقل فجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة وفتح لهم مدارك العلوم فبحثوا فيما سخر الله لهم من ذلك فاستخرجوا منه الأمور الغريبة ما بين ضروري وكمالي ونافع وضار وكل ما أوتوا من علم أو قدرة فإنما هو من الله تعالى لو شاء لسلبهم العلم فكانوا جهالا ولو شاء لسلبهم القدرة فكانوا عاجزين ولكنه تعالى من عليهم بالعلم والقدرة على وجه محدود فمهما أوتوا من علم أو قدرة فإنه يسير ويسير جداً بالنسبة إلى علم الله وقدرته: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَ قَلِيلاً} . ولقد كان من الأمور التي علم الله عباده وأقدرهم عليها علم الصناعة الذي بلغ في عصرنا مبلغا كبيراً لا يتصوره أحد من قبل. هذه المراكب البحرية التي تمخر عباب البحر بكل قوة وأمان حاملة ما شاء الله تعالى من نفوس وأموال تقطع المسافات الطويلة في أمن وطمأنينة إنما حصلت هذه المراكب بما فتح الله على صانعيها من إدراك وفهم وبما يسر الله لهم من المواد التي تركبت منها هذه المراكب وسارت بها.