في المنظور الغربي هناك ما يمكن اعتباره أزمة العقل الغربي التي يجب ألاّ نقع في مصيدتها والتي تقوم على مفهوم خاطئ ينطوي على افتراض"إما هذا أو ذاك"والذي أسر ولا يزال العقل الغربي، وانسحب على ديارنا إلى حد كبير، رغم أنه يمثل خطرًا كبيرًا على رؤيتنا الإسلامية الوسطية والشمولية للأشياء والخبرات والأنشطة المعرفية والاجتماعية والسياسية.
في الغرب نجد أنفسنا أمام ثنائية الفرد أو الجماعة، العدل أو الحرية، الله أو الإنسان، الأرض أو السماء، الروح أو الجسد.. ثنائيات عديدة حاولت أن أحصيها فتجاوزت الثلاثين عددًا.. وهي جميعًا تصطرع مع بعضها في العقل الغربي وفي واقع الحياة الغربية بحيث إننا نجد - على سبيل المثال - توجهًا شموليًا جماعيًا ساحقًا صارمًا كالذي نفذته الماركسية في شرقي أوربا، يقابل برد فعل وبزاوية مقدارها مائة وثمانون درجة، من خلال الوجودية التي أسسها (جان بول سارتر) و (كاميه) وآخرون في الساحة الغربية ذهبت مع الفرد إلى المدى واعتبرت (الآخر) (هو الجحيم) ولا تزال الأفعال وردودها تعمل عملها هناك..
لقد دفعت الأممية نفسها والتي حاولت أن تلغي خصوصيات الجماعات والشعوب، إلى تشكل حالة نقيضة من الشوفينية (النازية أو الفاشية) والتي قادت إلى مجزرة بشرية لا يزال العالم يعاني من آثارها حتى اليوم.
هكذا نجد أنفسنا في الساحة الغربية أمام الافتراض الخاطئ أو الموهوم الذي عصمنا الله سبحانه منه بالمنهج الشمولي الذي يجمع الثنائيات، ويحقق بينها التصالح والتناغم والوفاق {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (143 البقرة) . والوسطية هنا ليست موقعًا جغرافيًا، ولكنها رؤية ومنهج عمل يعرف كيف يجمع بين الفرد والجماعة والعدل والحرية والروح والجسد والدنيا والآخرة والأرض والسماء.. إلى آخره..