المناسبة وهي: العلاقة المعنوية التي تربط بين الترجمة والمترجم له. وبعد البحث والتأمل والاستقراء يمكن أن نقول إنها تنقسم إلى جهتين وكل جهة تشمل نوعين:
الجهة الأولى:
جهة إدراكها وهي نوعان أيضاً:
الأول: الخفية وهي: التي تحتاج إلى قوة علمية ودقة فكرية وتوقد ذهني حاضر.
ويعز على الأكثرين ملكها، وهي مما امتلأ به صحيح البخاري - رحمه الله - وتميز به عن غيره من سائر المصنفات الحديثية [46] ولهذا اتهمه بعضهم لما عزَّ عليهم إدراك كثير من مناسبات تراجمه للأحاديث [47] .
ومثال ذلك: ما جاء في الجامع الصحيح: قال البخاري رحمه الله: باب:"ما جاء في التطوع مثنى مثنى".
وذكر تحته حديث جابر بن عبد الله الأنصاري في الإستخارة وفيه جاء: (( إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة... الحديث ) ) [48] .
ومراده بهذا الرد على أبي حنيفة وصاحبيه - رحمهم الله - القائلين بأن التطوع في النهار يكون أربعا موصولة [49] .
ولا شك أن مناسبة الحديث للترجمة مناسبة دقيقة وخفية يعز على أكثر فحول الرجال إدراكها وإستحضارها. ولهذا ترك الحافظ - رحمه الله - الكلام على الحديث في موضعه الذي هو الظاهر الجلي كما هي عادته فإنه لا يفصل الكلام على حديث من الأحاديث إلا في موضعه الظاهر لطالب العلم.
قال - رحمه الله -: [50] وسيأتي الكلام عليه في الدعوات [51] .
مثال آخر: وهو ما جاء في الجامع الصحيح قال البخاري - رضي الله عنه -: باب:"اثنان فما فوقهما جماعة".
حدثنا مسدد قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا خالد عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إذ حضرت الصلاة فأذنا وأقيما ثم ليؤمكما أكبركما" [52] .
قلت: ومناسبة الحديث للترجمة مناسبة خفية بل إنها تكاد لا تظهر إلا بعد قوة تدبر وتأمل لأن ما في الترجمة ليس في المترجم. ولهذا عاب بعضهم البخاري في وضعه هذا الحديث تحت هذه الترجمة وظنوا أنه لا يدل عليها.