ولا تَخْفَى خُطورة هذا الاتجاه والهدف منه عند من يحاول تعميمه، وإشاعته بصفته وضعًا عالميًّا عامًّا لا مَفَرّ منه؛ لما له من أثر خطير في تَمْيِيع شخصية الأمَّة المسلمة، وتميزها، وطَمْس معالمها، وربطها بالأمم العالمية مسايرةً للواقع العالمي، الذي تبنَّى ما تبنَّى من أفكار، واختار ما اختار من رُموز ناشئة عن عقائدَ، ومثل، وقيم تُخَالِف رموز وقيم ومبادئ هذه الأمة.
وحقًّا: إن هذا الاتجاه - وإن كان عامًّا شائعًا - لا يمثله إلا فئة قليلة، رضعت لبن الاستعْمار والاستشراق، وتربَّت في أحضانهما، فكانت ظِلَّهُما البغيض، وممثِّلَهما المقيم، ولسانهما الناطق، فتَبَنَّتْ ما يقولان، ومن أهمه فصل الأمة الإسلامية عن ماضيها المجيد بشتى السبل والوسائل، وصَرْف نظرها إلى واقع تلك الأمم المسيطرة؛ لِتَأْخُذَ من فُتاتِها، وتعيش على موائدها.
وإذا كانت الدول المصطَنعة المفروضة - كدولة يهود - مِمَّن لا تاريخ لها يُعْتَدُّ به، أو مجْدٌ يُعْتَزّ به، تتعلَّق بِخُيوط العنكبوت حتى تحيي تاريخًا غابرًا عفا عليه الزمن؛ لتُخْرِجَهُ من المتاحف التاريخية، وتتعامل معه، وتفرضه على الوَاقع، فكيف يصِحُّ لأُمة الإسلام ذاتِ التاريخ الذي يطاول السماء، ويمشي أثرُهُ في عروق البشرية هدًى ونورًا، وقد حَمَلَتْ أمانة الدعوة إلى الله، وهداية الإنسان إلى طريق الفلاح في الدنيا والآخرة، فكيف يَصِحُّ لأُمَّةٍ هذا بَعْضُ شأْنِها أن تتغاضَى عن ذلك، في سبيل أُمَمِيّة عالمية، وتبعية ذليلة؛ لتصبح عددًا من الأعداد، وذَنَبًا من الأذناب؟!