فهرس الكتاب

الصفحة 9443 من 19127

لم يكد أبو الأسود يضعُ النَّحْوَ، ويَعْلَمُ الناس نَبَأَهُ عنه، حتى أقبل تلاميذه عليه يأخذون عنه، ثم يأخذ تلاميذهم عنهم مِن بعده، وهكذا جعل النُّحَاةُ يتتابَعُونَ مع الأيَّام طبقاتٍ، يأخذ اللاَّحقون منهم عنِ السابقين، وجَعَلَ النحوُ ينمو غَرْسُهُ، ويَشْتَدُّ عُودُهُ دِرَاكًا عصرًا بعد عَصْر، حتى كأنَّ القوم قد أعدَّهمُ الله له من قبلُ على أفضل ما يكون الإعداد، فما بِهم إلا أن تومِضَ ومضةُ البدء، وتشير إشارةُ التوجيه ليَمْضُوا به خِفَافًا، فإذا هم بعد قليل قد طَوَوْا به شَوْطًا بعيدًا لم يكن ليبلُغَه لولا العملُ الدَّائِبُ، والجُهْدُ المتَّصِل.

فَهَذَا بِلالُ بن أبي بُرْدَةَ والي البصرة يَدعو إلى مَجلِسِه عبدَالله بْنَ أبي إسحقَ، وأبا عمرو بنَ العَلاءِ، وهما من رُوَّادِ النُّحَاةِ؛ ليتَناظَرَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ أبو عمرو عمَّا انتهت إليه المناظرةُ:"فغَلَبَنِي ابن أبي إسحقَ بالهمز" [16] ، فقدِ اتَّسَعَ مَيْدَانُ النحو يَوْمَئِذٍ حتى سَمَحَ لهذين العالِمَيْنِ الجليلينِ أن يتجاولا فيه جَوَلاَتٍ متكاملَةً، يتحقَّق بِها الغَلَبُ والهزيمة، ولم يكن مضى على ظهوره إلا قرابةُ أربعين عامًا؛ إذْ كانَتْ وفاةُ أبي الأسود سنة 69، وولاية بلال سنة 109.

وسنُتَرْجِمُ هنا أبا الأسود، وأشهَرَ النُّحاةِ الَّذين جاؤوا من بعده إلى سِيبَوَيْهِ بترتيب سِنِي الوفاة:

1 -أبو الأسود:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت