فهرس الكتاب

الصفحة 9442 من 19127

ورأى آخرُ: أنَّ يعقوب الرهاويُّ كان مُعاصِرًا لأبي الأسود، وأنَّ له كتابًا في نَحْوِ السُّرْيَانِيَّةِ [13] :

وكلا المَقُولَيْنِ يُشعِرُ بأنَّ النحوَ العربيَّ ليس عربيًّا صريحًا، وأنَّ أبا الأسود قد أفاد له من السُّرْيَانِيَّةِ على نحوٍ ما! وهو كلامٌ يقوم - كما تَرى - على مُجرَّدِ الظَّنِّ، ويَكْثُرُ تَرْدَادُ مِثْله كُلَّما ذُكِرتْ أَوَّلِيَّات علومِ العرب؛ كأنما كُتب عليهم من بين خَلْقِ الله أن يكونوا أبدًا تلاميذَ لِغيرِهم في العلوم، وهو كلامٌ يُمكنُ قَبُولُه والتسليمُ به حين يكونُ له سَنَدٌ غيرُ الحَدْسِ والتَّخْمِينِ.

وتقتضي طبيعةُ الأشياء أن يكون ما وضعه أبو الأسود منَ النحو مجرَّدَ ملاحظات يسيرة، هُدِيَ إليها بالنظر في الأساليب واستقرائها على قَدْرِ الطاقة في المقامات المتنوِّعَةِ، وتَيَسَّرَ له بفضلها أن يستنبط منها ضوابِطَ لا تبلغ مبلغ القواعد التي تُقَرِّرُ الأحكام في اطِّرادٍ وشُمول.

ومَن يكن مِثْلَ أبي الأسود في سلامة الفِطرة، ولُطْفِ الحسِّ لا يستعصي عليه أن يهتدي إلى هذه الأوليَّات وزيادة، وما كان الخليفةُ عُمر لِيختارَهُ مُعَلِّمًا للإعراب إلاَّ وهُوَ صالِحٌ له، وكافٍ فيه! وقدْ كانَتِ العَرَبُ أو أُناس منها يُدركون فُروقَ المعاني المختلفة في العبارات التي تختلف فيها حركات الإعراب، أو طرائقُ التعبير تقديمًا وتأخيرًا، وذِكْرًا وحَذْفًا.

ومن ذلك أنَّ أعرابيًّا سَمِع قارئًا يقرأ قولَهُ تعالى: {أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [14] بجرِّ لامِ رسولِهِ، فقال الأعرابيُّ: أَوَبَرِئَ اللهُ من رسولِهِ؟! [15] ، ويقول سِيبَوَيْهِ - فيما يقول: (( ليس منَ العَصَبِيَّةِ إذًا، ولا من التجنِّي على الحقيقة أن تقول مع القائلين: إنَّ النحوَ العربيَّ عربِيُّ النَّسَبِ، وما هو بالدخيل ولا الهجينِ ) ).

النَّحو وأشهر النحاة

من أبي الأسود إلى سِيبَوَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت