فهرس الكتاب

الصفحة 9361 من 19127

أيها الناس: من حكمة الله تعالى في عباده، ومن عظيم ابتلائه لهم أن جعلهم طائفتين مختلفتين، وقسمهم إلى فريقين متحاربين؛ ففريق اختار طريق الأنبياء عليهم السلام في السعي بالصلاح والإصلاح، وفريق سار سيرة الطغاة المستكبرين فسعى بالفساد والإفساد.

والناس يختلفون في تحديد الصلاح من الفساد، والإصلاح من الإفساد بحسب أديانهم وأفكارهم ومذاهبهم، وإلا فإن الصلاح والإصلاح يدعيه كل أحد، والفساد والإفساد يتبرأ منه كل الناس، والمفسدون في الأرض لا يرون أنفسهم إلا أنهم مصلحون، وملاحدة البشر يرون أن الدين هو المفسد للناس؛ ولذا يحاربونه لتحرير البشرية منه كما يزعمون، وقديما قال فرعون الطاغية وهو رأس في الفساد والإفساد {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ} [غافر:26] .

وإذا كان الاختلاف بين البشر في تحديد الصلاح من الفساد، والمصلح من المفسد قد بلغ هذا الحد؛ فإن الميزان في ذلك شريعة الله تعالى؛ لأن الله سبحانه خالق الخلق ومدبرهم، وهو الذي أنزل الدين وشرعه لهم، وهو من يحاسبهم به ويجازيهم عليه، فكانت معرفة الصلاح والفساد، وتحديد المصلحين من المفسدين عن طريق وحيه وشريعته، وتلك حقيقة يجب أن لا يختلف فيها مسلمان، وفي القرآن العظيم {وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ} [البقرة:220] وفي آية أخرى {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ} [آل عمران:63] وفي آية ثالثة {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ} [يونس:40] .

فكل مؤمن بالله تعالى، مصدق بموعوده، داعية إلى دينه، محارب لما عارضه فهو صالح مصلح وإن رُمي بغير ذلك، وكل معارض لشريعة الله تعالى، ممالئ لمن يحاربها فهو فاسد مفسد ولو زعم خلاف ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت