وهذا مَثَلٌ مضروبٌ في سيرة رجلٍ أخذ من الشجاعة أعلاها، وبلغ من الإقدام منتهاه؛ دفاعًا عن دين الله تعالى، وجهادًا في سبيله، وذلك حينما خالط الإيمان بشاشة قلبه.
تربَّى في بيتٍ صالحٍ، ترعاه أمٌّ صالحةٌ، تقدَّم إسلامها؛ فكانت منَ السَّابقين، وكان صداقها إسلام زوجها، فما أغلاه وأعزَّه من صَدَاقٍ، فلا غرو أن يخرج هذا الفتى بشجاعةٍ منقطعة النظير، وقد تربَّى على يَدَي تلك المرأة العظيمة.
أمُّ هذا الفتى هي: أمُّ سُلَيْمٍ بنتُ مِلْحان الأنصاريَّة. كانت في الجاهلية تحت مالك بن النَّضْر، فلما أسلمت غضب عليها وخرج إلى الشام، ومات هناك [1] ، فخطبها أبو طلحة؛ فقالت له:"أما إنِّي فيك لراغبةٌ، وما مِثْلُكَ يُرَدُّ؛ ولكنك كافرٌ، وأنا امرأةٌ مسلمةٌ؛ فإن تُسْلِمْ فلكَ مَهْرِي، ولا أسألك غيره. فأسْلَم وتزوَّجها، وحَسُنَ إسلامه" [2] .
روى ابنها أنس، أن أبا طلحة خطبها قبل أن يُسْلِم، فقالت:"يا أبا طلحة: ألستَ تعلم أن إلهكَ الذي تعبد نَبَتَ منَ الأرض؟ قال: بلى، قالت: أفلا تستحيي تعبد شجرة؟! إن أسلمتَ فإني لا أريد منك صَدَاقًا غيره. قال: حتى أنظر في أمري. فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فقالت: يا أنس، زوِّج أبا طلحة. فزوَّجها" [3] .
تُعدُّ - رضيَ الله عنها - من عقلاء النساء [4] ، أتت بابنها أنس وجعلته خادمًا للنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فخدمه عشر سنوات [5] ، وكانت امرأةً شجاعةً، لا تهاب القتال، تغزو مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - [6] ولها قصص مشهورة في ذلك؛ منها: