ومن طريف ما يروى في مجال تكريم الوالدين أن أبا الأسود الدؤلى خاصمته زوجته في ولدها منه إلى القاضي زياد كل منهما يريد أن يحتضنه، فقال أبو الأسود: أنا أحق بالولد منها وحملته قبل أن تحمله ووضعته قبل أن تضعه. فقالت الأم: وضعته شهوة ووضعته كرهاً، وحملته خفاً وحملته ثقلاً؛ فقال القاضي زياد: صدقتِ أنتِ أحق به منه.
وكان علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبر الناس بأمه، ومع ذلك كان لا يأكل معها في وعاء واحد، ولما سئل عن ذلك قال:"أخاف أن تسبق يدي إلى شيء تكون قد سبقت إليه عيناها؛ فأكون قد عققتها".
والمواقف الدالة على حرص أسلافنا على برهم بآبائهم وأمهاتهم كثيرة جداً، لا تحصرها هذه السطور، ولا تتسع لها هذه المساحة، لكنها في جملتها تعكس صورة ذلك المجتمع البار، وحقيقة أولئك الأخيار، الذين زكت نفوسهم، واهتدت قلوبهم، فكانوا لنا مثلاً في برهم، ونبراساً في طاعتهم.
فهيا لنتفقد حالنا مع آبائنا وأمهاتنا، وننظر بعين الملاحظة هل نحن في برهم وطاعتهم على الحال الذي يجب، والطريقة التي تنبغي، أو أننا غير ذلك ؟
ألا هيا فلنبادر إلى برِّهما وطاعتهما قبل أن يرحلا، ويفوت الوقت فينتقلا.. هيا قبل أن نحزن على فقدهما، ونذرف الدموع ندماً على التقصير في حقهما..