ومن الحقائق الثابتة أنه لا ينتفع إنسان بعبادة غيره؛ لقول الله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم:39] ، ولكن عدداً من الفقهاء استثنى من هذه القاعدة جواز انتفاع الأبوين بعد موتهما بالعبادة التي يؤديها أولادهما عنهما من صوم أو حج أو صدقة، يروى أن امرأة جاءت إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقالت له: إن أمي ماتت وعليها صوم، أفأصوم عنها؟ فقال - صلى الله عليه وسلم: (( أرأيت لو كان عليها دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ فقالت: نعم. قال: فصومي عن أمك ) ). كما أفتى كثير من الفقهاء بأن الدعاء للوالدين واجب بالأمر المفهوم صراحة في قول الله الكريم {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيْراً} وفى قوله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} فقرن شكر العبد لربه بشكر الابن لأبويه، وقد سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟ فقال: نرجو أن يجزيهما بالدعاء بعض حقهما إذا دعا لهما في آخر كل تشهد عند كل صلاة.
كما أوجب العلماء النفقة عليهما؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( ليس الجهاد أن يضرب الرجل بسيفه في سبيل الله؛ إنما الجهاد من عال والديه ) ).
وقال: من عال والده فهو في جهاد، ومن عال نفسه فكفاها عن الناس فهو في جهاد. واعتمد الفقهاء على قول الله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً} فقالوا بأنه لا يحد أحد الوالدين في قذف ولده، ولا يحبس أحدهما في دين عليه لأحد أولاده أولهم جميعاً.
صور ومواقف في بر الوالدين:
من جميل ما يروى عن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - أن رجلاً قال له: يا رسول الله، إن لي أما عجوزاً أحملها على عاتقي كل يوم وأطوف بها حول البيت، أفأكون بذلك قد وفيتها حقها؟ فيقول النبي لا. ولا بزفرة واحدة؛ إنها حملتك وهى ترجو حياتك، وأنت حملتها وتنتظر رحيلها.