فهرس الكتاب

الصفحة 9134 من 19127

إنَّ منطقَ العَقْلِ يَقُولُ: إنَّ إِغْفالَ التُّربة الَّتي نَبَتَ فيها النص، وإهمال الزمان والمكان اللذين أوجداه، كل ذلك يُبْعِدُه عن أن يُتَمثَّل بشكل صحيح، أو يفهم الفَهْم الدقيق؛ بل لا بد أن يدخل عليه الحَيْف والتزوير.

إن ما يسمى"القراءة الجديدة"؛ يعني - بصريح العبارة - إلغاء دلالة النص لتحل محلها دلالة القراءة التي يسقطها القارئ عليه، ويشير علي حَرْب - وهو من أكثر المتحمسينَ لهذه البدعة الجديدة - إلى ذلك بقوله في كتابه"نقد النص":

"أن يكون النص منطقة للتفكير، أو حقلاً للبحث معناه أنه يحتاج إلى قراءة تحوله من مجرد إمكان إلى فعل معرفي مُنْتَج، ولهذا فإن شرط القراءة وعلة وجودها أن تختلف عن النَّصّ الذي نقرؤه، وأن نكشف فيه ما لا يَكْشِفه بذاته، أو ما لم يُكْشَف فيه من قبل...".

إنَّ هذا الكلام محشو بالمُغالطة، إذ كيف نكشف من النص ما لا يكشفه هو، إلاَّ أن نلغي دلالاته اللُّغوية، وأن نُقوِّله ما لا يقول؟ أليس في هذا افتئاتٌ على الحقيقة، وتزوير لآراء الآخرين وإنطاقهم بما لم يفكروا فيه، أو يخطر لهم على بال؟ أليس في هذا كله إسقاطٌ لأفكار القارئ على المؤلف، وتحكيمها فيه تحت مسمى هذه العبارة البراقة (إعادة القراءة) ؟ بلى، إن في"منهج القراءة الجديدة"هذا كله، ودعاته لا يتنصلون، ولا يُوارُون.

يقول علي حرب في أعقاب الكلام السابق:"وأما القراءة التي تقول ما يريد المؤلف قوله فلا مبرر لها أصلاً؛ لأنَّ الأصل هو أولى منها، وما يُغْنِي عنها إلاَّ إذا كانت القراءة تَدَّعِي أساسًا أنها تقول ما لم يحسن المؤلف قوله، وفي هذه الحالة تغني القراءة عن النص، وتصبح أولى منه...".

وهكذا - بهذه البساطة - يصادر القارئ رأي المؤلف، ويُمْتَهَن هذا المؤلف امْتِهَانًا لا مثيلَ له في التاريخ، إذ يُحكم عليه بالموت، أو يقول القارئ - باسمه - ما يريد، ويُنْطِقه بما يشاء، إنه دميةٌ في يد القارئ الجديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت