فهرس الكتاب

الصفحة 9108 من 19127

وكما قيل: فالتاريخ يعيد نفسه، والأيامُ تتوالى، والسننُ تتكَرَّر، والحوادث تتشابه. والمفلحُ من فَقِهَ سنن الله - تعالى - فاعتبر، وكرَّس حياته فيما يرضي ربه، واجتنب كل ما يسخطه. والأحمقُ من يرى السنن، ويبصر الآيات والعبر؛ فلا ينتبه ولا يعتبر؛ بل يأكلُ ويشرب وينام، وينتظر الأجل وهو بلا عمل.

وفي مثل هذه الأيام، أي: قبل رمضان بسبعة أيام، منذ ما يقارب ألف عام انتزع الصليبيون بيت المقدس من المُسْلِمِينَ، ودنَّسوه زهاء تسعين سنة، وأنشؤوا أربع إمارات صليبية في المشرق الإسلامي، ومكثوا في بلاد المسلمين مائتي سنة، كانت أوروبة خلالها ترسل الحملات في إثر الحملات، والجُيوش تردف الجُيوش؛ لإحكام القبضة على بلاد المسلمين، ولكنَّها فشِلت وعادت أدراجها من حيث أَتَتْ، بعد تضحيات جسيمة من قِبَلِ المُسْلِمين في مصر والشام.

اصطلح على تسمية هذه البعوث الإفرنجية الكاثوليكية بالحملات الصليبية؛ لأنَّ الجيوش جُيِّشت تحت راية الصليب، وبشعار تخليص قبر يسوع المقدس - حسب زعمهم - ولهذه الحملات الضَّخْمَة التي استمرَّت قرنين كاملين قصةٌ دينية عند عُبَّاد الصليب؛ إذ إنَّ قادح شرارتها راهب يدعى:"بطرس الناسك"، ومسعر حربها هو المعتلي على سُدَّةِ عرش البابوية الكاثوليكيَّة آنذاك البابا"أوربان الثاني".

كان بطرسُ النَّاسكُ مُنْقَطِعًا للرهبنة والتعبُّد في مَغارة من مغارات أوروبا، وأثناء رهبنته طرأ عليه الحجّ إلى بلد عيسى - عليه السلام - فرحل إليها عام ستة وثمانين وأربعمائة للهجرة، فلمَّا وصل بيت المقدس، ورأى سلطان المسلمين عليها غاظه ذلك، وامتلأ قلبُه حِقدًا على المسلمين، واجتمع مع بطريرك كنائس فِلَسْطِين، وظلا يبكيان وينتحبان ويتذاكران مَجْد النصارى في تلك الأرض، ثم قطع بطرسُ الناسكُ على نفسه عهدًا ليُجَنِّدَنَّ أوربة لانتزاع القدس من المسلمين [1] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت