إن النظرة المتأنية في الاتجاهات السابقة تقود إلى الاستنتاج بأن المعرفة, والسلوك, ورعاية مشاعر الفرد, والروح الاجتماعية لديه ليست اتجاهات متناقضة؛ بل هي مظاهر متعددة للعملية التربوية؛ فالمربي لا يحقق أهدافه إلا إذا كانت لديه معرفة يستخدمها لإحداث تغيير في أولئك الذين يشرف على تربيتهم، وهناك انسجام وتناغم بين الجانب الفردي والجانب الاجتماعي في النفس الإنسانية، وهذا يظهر بوضوح في قوله سبحانه وتعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} [الأنفال:65] . فهذه الآية الكريمة تشير إلى عدد الكفار الذين يستطيع المؤمن مواجهتهم في ساحة القتال، فالمؤمن يستطيع أن يواجه عشرةً من الكفار؛ ولكن الخطاب جاء على صورة الجماعة؛ مما يدل على أن الفرد يستمد بعض خصائصه من الجماعة التي ينتمي إليها.
والسلوك هو المحصلة النهائية التي تهدف إليها التربية؛ فلا خير في معرفة لا تؤدي إلى عمل مفيد، ونجد في كثير من الآيات القرآنية ربطاً بين الإيمان والعمل الصالح، ومثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [سورة المؤمنون, الآيات 1-5] . فالعمل من مقتضيات الإيمان ولوازمه.
وهكذا يبدو واضحاً أن التربية عملية مقصودة, هدفها العناية بالإنسان الفرد, وبالمجتمع الذي يعيش فيه، وهي تسعى لإكساب الفرد سلوكاً مرغوباً فيه، والعلم الذي تقدمه التربية للمتعلمين علم نافع يؤدي لتعديل السلوك نحو الأحسن، ولكي يتضح مفهوم التربية؛ فإنه لابد من ذكر الحقائق التالية:
-ليست التربية مجموعة من المعارف والحقائق وحسب, وإن كانت هذه تدخل في العملية التربوية.