فهرس الكتاب

الصفحة 8835 من 19127

ومهما يكن من أمر، فإن الإسلام قد أقام رابطة الزوجية على المشاركة في نعيم الحياة وبُؤْسها، وجعل الوفاء عنصرًا أساسيًّا للالتزام بها، والإسلام وإن أعطى للزوج حق الطلاق، وجعل حل عقدته بيده، فليس له أن يستعمل هذا الحقَّ إلاَّ إذا بدر من الزَّوجة ما يخلُّ بِسلامة المُشاركة في الحياة الزوجيَّة، ومِنَ الظلم الَّذي يأباه الإسلام أن يستعمل الزَّوج حقه على هواه، فالطلاق وإن كان حلاًّ له فإنه - كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أبغض الحلال إلى الله.

ولقد رأينا أزواجًا يُوقعون الطلاق في نزوة طيش أو سعيًا وراء حب جديد، ينطلق من هوى جامح، فيهدمون بكلمة واحدة بيتًا كان ينبغي أن يبقى معمورًا، وينقضون عهدًا كان ينبغي أن يراعى فيه حق الوفاء، وليس من المروءة في شيء أن يبلى حب الزوج إذا ذهبت نضارة زوجته وذوى شبابها، وأن ينسَى حسن الصحبة والرِّعاية والوُدّ.

وإذا كان الحب مطلوبًا في التزاوج، فلا يمكن استمراره لارتباطه بالشباب والجمال، وهما عنصران لا يقبلان الدوام، ومن أجل ذلك نرى الإسلام يراعي الحب في انعقاد الزواج، ويتجلى ذلك بجعله إرادة المرأة ركنًا أساسيًّا في انعقاده؛ ولكنه لا يعتمده في بناء الأسرة؛ لأنه عنصر زائل، وإنما يعتمد في بنائها على المودة والرحمة، وهما عنصران ثابتان، وعنهما ينشأ الالتزام بالوفاء، ومصداق ذلك في قوله - تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [38] .

فليس منَ الوفاء إذًا أن يفارق الرجل زوجته، وقد تزوَّجَهَا عن حُبٍّ وأُغْرِمَ بِجمالِها وشبابِها، أو بِغَيْرِ ذلك من الصفات، وكانت وفية له، راعية لعهده، ليستبدل بها أخرى، فيها نضارةٌ وشباب، أو له فيها مآرب أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت