يقال فلان جرئ فقد قيل ذاك، ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة [19] .
فدخل شُفيّ على معاوية - رضي الله عنه - فأخبره بهذا عن أبي هريرة، فقال معاوية: قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من النَّاس؟ ثم بكى معاوية بكاءً شديدًا حتى ظننا أنه هالكٌ. وقلنا قد جاءنا هذا الرجل بشر، ثم أفاق معاوية ومسح عن وجهه وقال: صدق الله ورسوله: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود:15-16] .
فيا عباد الله،
لقد بكى الصالحون يوم تذكروا العرض على الله - عز وجل - وتطاير الصحف، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، بكوا لأنهم لا يعلمون مصيرهم هل سيؤمر بهم إلى الجنة أو تكون الأخرى.
ونحن والله أحق منهم بالبكاء؛ لأننا لم نقدِّم مثل ما قدموا، ولم نجاهد جهادهم، ولم ننفق إنفاقهم، ومع ذلك إذا صلَّى أحدنا بعض الركعات ظنَّ أنه مستحق للفردوس الأعلى، وأن منزلته لا تقل عن منزلة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا!!
أما الصالحون؛ فقد بكوا لأنهم لم يأمنوا مكر الله عز وجل، قال تعالى: {فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف:99] .
وقال تعالى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [المعارج:28] .
بكى سفيان عند الموت وجزع، فقيل له: يا أبا عبد الله، عليك بالرجاء، فإن عفو الله أعظم من ذنوبك، فقال: أوَ على ذنوبي أبكي؟ لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبال بأن ألقى الله بأمثال الجبال من الخطايا!!