ولو عاينَ هؤلاءِ المشركونَ ومن تابعهم ما أُعِدَّ لهم من العذابِ يومَ القيامة، لعلموا أن جميعَ الأشياءِ تحت قهرهِ وسلطانه، وأن القوَّةَ والتصرُّفَ له وحده، وأن عذابَهُ شديدٌ مؤلم، وإذاً لانتهوا عمّا هم فيه من ضلال.
{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [البقرة: 166] .
166-وهؤلاءِ الذين كانوا أعلاماً في الكفرِ والضلالِ والدَّعواتِ الهدَّامة، ولهم أنصارٌ وتابعون، عندما يُكشَفُ لهم الحساب، ولا يرونَ أمامهم سوى النار، التي لا مناصَ لهم منها، يتبرَّؤونَ من تابعيهم، لأن ذلك يزيدُهم عذاباً، ويقولونَ لهم: لا علاقةَ لنا بكم، ولم نجبرْكُم على متابعتنا، وكانتْ لكم عقولٌ فلمَ خُدِعتُم وشاركتمونا؟
وتنقطعُ بينهم الأواصرُ والعلاقاتُ السابقة، وتنقلبُ إلى حقدٍ وعداوةٍ وتخاصم، حيث انتهتِ الأعمال، وحانَ وقتُ الجزاء.
{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167] .
167-وقال التابعونَ المقلِّدون، المناصرونَ للضلالِ وأهله، بعد أن انتكستْ أعلامُ الآلهةِ الفارغة، وانكشفتِِ الخِدَع، وظهرتِ الحقائق: لو كانتْ عندنا فرصةٌ للعودةِ إلى الدنيا حتى نتبرَّأ من هؤلاءِ فلا نتَّبعهم ولا نوافقهم على أفكارهم، ولا نكونَ لهم كالعبيدِ فنهتفَ لهم ولمبادئهم المضلِّلة، بعد أن تبرّؤوا هم منّا وقالوا لا علاقةَ لنا بكم ولم نجبرْكُم على اتِّباعنا. وهم كاذبون، فلوا أنهم أُعيدوا لعادوا. وإنما يريدُ الله ببيانِ أعمالهم أمامهم ليزدادوا كمداً وندامة، فيكونَ نصيبُهم حسراتٍ وحسرات. ولسوفَ يبقونَ في النارِ يعذَّبون.