وقد كانَ الأمرُ باستقبالِ المسجدِ الأقصى أولاً امتحاناً، ليتبيَّنَ من يطيعُ الله ومن يخالفه، وخاصَّةً أن العربَ كانوا متعلِّقينَ بالبيتِ كيفما كان، وكان التحوُّلُ منه صعباً عليهم، فأرادَ اللهُ أن يصرفَ قلوبَ من أسلمَ منهم إلى الطاعةِ المطلقة، والتخلُّصِ من الرواسبِ الجاهلية، مهما كانَ شأنها، حتى تأخذَ هذه التربيةُ مأخذها من النفوسِ وتتدرَّب على الطاعةِ والامتثال... وهو وإنْ كان عظيماً على النفوس، إلا أنه سهلٌ على القلوبِ المؤمنةِ المهتدية، التي أيقنتْ بتصديقِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وأنَّ ما جاءَ به هو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه، وأن الله يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريد، فما على المسلمِ إلا الطاعةُ والامتثال.
وما كان الله ليُضِيعَ صلواتِكم التي توجَّهتم فيها إلى بيتِ المقدسِ سابقاً، فلا يَضِيعُ ثوابُها عنده، إنه رؤوفٌ رحيمٌ بعباده، يوصلُ إليهم النعمةَ الصافيةَ بفضلهِ ورحمته.
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144] .
144-كان الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- يحبُّ أن يُوَجَّهَ إلى الكعبة، كما في صحيحِ البخاري، فقالَ له ربُّه: لنعطينَّكَ طلبك، ولنمكننَّكَ من استقبالِ القبلةِ التي تحبُّها وتشتاقُ إليها، فحوِّلْ وجهكَ نحوَ المسجدِ الحرام، وحيثما كنتُم أيها المسلمونَ في أنحاءِ الأرضِ جميعاً اتَّجهوا إلى هذه القبلة، إلى أن يرثَ الله الأرضَ ومن عليها.