لقد بلغ بنا الضعف مبلغًا، فلم نعد نقتنع حتى بمنتجاتنا الزراعية التي أثبتت التجربة جودتها، ولم نعد نقنع بجودة القطن السوداني، أو النيجيري، أو المصري، أو اليماني - مهما طالت فتيلته - حتى إذا رأينا في مظاهر الدعاية، ما يرفع من قدر المنسوجات الإنجليزية، أو السويسرية، أو اليابانية لأعلى قيمة بيعية في سوقنا المستهلكة أبدًا، دهشنا لذلك، برغم أن لجودة التقنية لديهم ما يسوغ تقدم صناعة النسيج عندهم، وهو الذي هيأ لهم أن يستأثروا بحظ الأسد في السوق، فنحن نصدر المواد الخام، ونستورد ناتج الصناعة.
ولو ظللنا على هذا لكان التخلف محتملًا، ولكن العجب العجاب إذا تأكدت لدينا هجرة الحبوب والبقول، ففي مدينة جبل الأولياء الواقعة في وادي النيل بالقرب من مدينة الخرطوم، مررت على بائع لأشترى مكيالًا من الفول، فوجدته يغريني بأنه فول إنجليزي، ويؤكد لي أنه ما يكاد يستقر في القِدْر على النار برهة حتى تتفتح قشرته عن لب كالزبد، يقول البائع ذلك عن ثقة، ويؤكد مرة أخرى أنني حتمًا سأعود للشراء من عنده مرة أخرى بعد التجربة الأولى. ولم ينقضي عجبي حتى وجدت نفسي مضطرًا إلى العودة إليه لصدق دعايته، لأشتري فول النيل المهاجر من واديه إلى وادي نهر التايمز [3] ، فحصل على الجنسية البريطانية بعد هجرته مباشرة، وحصل على رمز الجودة البريطانية العالية، ثم هاجر من هناك إلى [4] وادي نهر المسيسبي فحصل على بطاقة الإقامة الدائمة (The American Green Card) ، وعاد إلى أسواقنا ليتصدرها، لأنه أصبح من الخواجات، إذ ما يكاد المشتري يرى علبة الفول من حدائق كاليفورنيا حتى يتلمظ الطعم. ومع هذه الجودة المصنوعة ينسى المستهلك سخاء النيل، وفيضه في غناء النبات الذي لا يحتاج في واديه إلى سماد اليوريا، ولا إلى الهرمون النافخ! ولم يعد لدينا من سلوى إلا أن نردد كلمات الشاعر السوداني إدريس محمد جمَّاع - رحمه الله - الذي قال في النيل: