فهرس الكتاب

الصفحة 8316 من 19127

وهذا تشريفٌ لِشأْنِ السيرة النَّبويَّة، وإشادةٌ بِما يصرف إليها من العناية والرعاية، وأنَّها بِمَقامٍ لا يَعرِفُ قَدْرَه إلا المُستَمْسِكونَ بِاللَّه تعالى، الراجون لقاءه، العاكفون على ذكره، ولذلك أسرف الذين لا يرجون لقاءه في خُصومة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومُعَاداته، وَسَعَوْا في مضايقته وإغضابه؛ حتى طالبوه بأبغض شيءٍ إلى نفسه الكريمة، وأثقلِه عليها، وأشدِّها كراهية له؛ كما قال - تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] .

ثُمَّ بيَّن الله - تعالى - مِقْدَارَ ما ساقَتْهُم إليه تلك المعاداة من الخيبة والخسران، فقال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 17] .

فالضَّرورة إلى الائتساء به - صلَّى الله عليه وسلم - كما قال الإمام ابن القيم - رحمه الله:"أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعَيْنِ إِلَى نُورِها، والروح إلى حياتها، فأي ضروروة وحاجة فرضت، فَضَرُورة العبد وحاجته فوقها بكثير."

وما ظنُّك بمن إذا غاب عنك هديُه وما جاءَ به طَرْفَةَ عينٍ فسَدَ قلبُك، وصار كالحوت إذا فارق الماء ووُضع في المقلاة، فحالُ العبدِ عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال؛ بل أعظم.."."

وليس الذي أورث أُمَّةَ الإِسلامِ من الضعف والهوان في الأزمان المتأخرة، وما ظهر فيهم وفي غيرهم من خرابِ القلوب، وخواء الأرواح، وذهاب العقول، وكثرة أمراض النفوس والأبدان وغرابتها، ليس ذلك كله إلا عَرَضًا من أعراض الجهل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرته، والاستهانة بهديه وحقوقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت