وداخلَ صفحات الكتاب طالعَتني وردةٌ حمراءُ ضمَّخ عطرُها أوراقَ الكتاب، وما زالت حتى اليوم كما هي تضمُّها أوراقُ الكتاب إلى صَدرها بحُنُوٍّ بالغ، لقد جفَّتْ تُوَيجاتُها، ويَبست أوراقُها، ولكنَّ عطرَها ما زال يتضوَّعُ ويردُّني إلى تلك الذكرى العطِرَة التي أعدُّها نقطةً مضيئةً في حياتي.
انتهى العامُ الدراسيُّ، وكانت عائدةُ الأولى في صفِّها، وبدأت العطلةُ الصيفية وانتهت، ورجعنا إلى المدرسة، دخلتُ الصفَّ وأجَلْتُ نظري بين الطالبات فلم أرَ وجه عائدة، سألتُ عنها، فقيل لي: إنها أقامَت مع أُسرتها في الأردُنِّ الشقيقة..
افتقدتُها، وتمنيتُ لو تابعتْ رحلتَها معنا، ولكني دعوتُ لها بالخير والتوفيق.
ومرَّت الأيام، وانقضى شَهران وربما أكثر على افتتاح المدرسة، وبينما أنا صاعدةٌ السُلَّم إلى صفِّي وفي المنعطف طالعني وجهٌ صبوح، إنه وجه عائدة..
اندفعتْ نحوي تسلِّم عليَّ وتسأل عن أخباري، كان لقاء حارّاً، سألتُها عن أخبارها فقالت: لقد أقمنا في الأردُنِّ، وهذه هي الزيارة الأولى لدمشقَ بعد أن سافرنا، وأول مَن فكَّرتُ أن أراه هو أنتِ، وبعد أن اطمأنَّت كلٌّ منا بأخبار الأُخرى ودَّعَتني وذهبت، ومنذ ذلك اليوم لم أرَها.
والآنَ بعد مرور اثني عشر عاماً على الحادثة الأولى، وكلَّما جاء عيدُ المعلم، أُخرجُ هديةَ عائدة وأفتحها وأقرأ إهداءها لي، وأشمُّ رائحة الوردة، وأرى من خلال ذلك كلِّه وجهَ عائدة. إني أُحسُّ أنَّ رابطةً قوية تشدُّني إليها، إنها أسمى من القَرابة، وأعظم من الذِّكرى!!....