أجابت بثقة أقلقَتْني: أُسرتي.
قلتُ: وماذا أصلح أن أكونَ إذًا؟
قالت وعيناها تفيضان بحبٍّ كبير: يجب أن تكوني ملكةً أو أميرةً، وأخذت تخلعُ عليَّ من المناصب والرُّتَب ما لم أحلُم به في يومٍ من الأيام.
انقشع الهمُّ عن صَدري، وأحسست أنَّ اعتباري قد رُدَّ إليَّ، فافترَّ ثغري عن ابتسامة..
قلتُ لها، وكان حوارنا ديمقراطيّاً هادئًا، وأمام الطالبات جميعًا: ثقي - يا عائدةُ - لو توَّجوني ملكةً، أو نصَّبوني أميرةً فلن أرضى أن أكونَ إلا معلِّمة!.
كانت لهجَتي مَشوبةً بالصدق والإصرار والإيمان، على الرُّغم من الرِّعشة التي سَرَتْ في صوتي، فهدأ كلُّ شيء حولي، كانت عشراتُ العيون ترنو إليَّ، ولكلِّ عين لغتُها..
وبعد دقيقةٍ من الصمت قالت: أإلى هذا الحد تحبين عملك؟
قلتُ: بل أكثر، إن مهنةَ المعلِّم أشرف المهن؛ فالناس جميعاً يتعاملون مع الجمادات والماديات، من المهندس، إلى الحدَّاد والنجَّار... إلا المعلمَ فإنه يتعامل مع الأرواح والعُقول، وهذا أثمنُ شيء يملكُه الإنسان، ألم تسمَعي قولَ الشاعر:
أرأيتَ أشرفَ أو أجلَّ منَ الَّذي يَبني ويُنشِئ أنفُساً وعُقولا؟
أخلدت محدِّثتي إلى الصمت، ولكني قرأتُ في عينَيها وعيون زميلاتها إيماناً لا حدودَ له بقدسيَّة التعليم وقداسة المعلِّم، وكانت ثمرةُ هذا الإيمان أنها قدَّمت لي هديةً أعتزُّ بها كثيراً، لم تكن من نوع الماديات، كانت كتاباً؛ هو الرسالة الجامعيَّة التي نال أخوها بوساطتها شهادةَ التخرُّج في قسم الصيدلة وقد صدَّرتْهُ بالإهداء التالي:
"إلى الآنسة المحترمة: يُسعدني أن أُشركَك فرحتي بتخرُّج أخي بإهدائك رسالته حُبّاً وعرفاناً بالجميل، ووفاءً لكلِّ حرف علَّمتِني إياه، مع أطيبِ أُمنياتي لك بالصحَّة والسعادة والهناء. طالبتُك المحبَّة لكِ: عائدة".