فهرس الكتاب

الصفحة 828 من 19127

ثم يدور في خلدي بأن أصطفي الجيد منها، وأتخلص من البواقي، فتأخذني عندئذ الوساوس، أي الكتب أبيع؟ وما يدريني أنني سأحتاج يومًا إلى هذا أو ذاك؟! ثم يبدو لي حل وسط، أخفّف فيه من سأمي، فأُجري بعض"التنظيم"في المكتبة، فأقدِّم الثمين والمهم واللازم، وما لا يستغْنَى عنه إلى الصفوف الأولى، وأكدس الكتب من النوع الثاني والثالث والرابع، مما لم يُتح لي الإفادة منه حتى الآن إلى الوراء، أو أصفّها في الصناديق لتُرفع إلى السقيفة، حيث ترقد في منفاها المظلم الرطب، ولكن حتى هذه العمليَّة الاصطفائية التصنيفية صعبة التنفيذ، على ما فيها من إجهاد للأعصاب، وكدّ للبدن؛ فقد تحملني الحاجة إلى إبراز ما حقّه التأخير، وتأخير ما حقّه البروز.

ومكتبتي مؤلفة من قسمين يجعلانها صعبةَ التصنيف، قسم عربي وآخر أجنبي، وكان كل قسم إلى حين منفصِلًا عن الآخر؛ عملًا بالقول المأثور:"الشرق شرق، والغرب غرب، ولن يلتقيا"، إلا أن ضيق المكان، وانعدام الوسائل جعلهما يلتقيان في ميدان الفكر، وصعيد العلم، فصرتَ ترى شكسبير إلى جانب الجاحظ، وابن الرومي جالسًا القرفصاء على أكتاف فولتير، فكيف تريد مني بعد هذا أن أستغني عن تلك النفائس الكريمة، وأن أُحرم من مطالعة تلك الوجوه الحبيبة المؤنسة، وأن أبعد عن معاشرة هذه العبقريات الخيِّرة، التي لولاها لأصبحت حياتنا فراغًا مؤنسًا؟!

وبعْدُ، فلي في نوابغ أدبنا العربي؛ كالجاحظ والتوحيدي والمتنبي وغيرهم، أسوةٌ حسنة، فقد كانوا يَكْتَرُون دكاكين الوراقين؛ يبيتون فيها للقراءة، وإشباع نهمهم للمعرفة، يوم كان الكِتَاب أندر من كل شيء نادر. أفلا تدري - أيها القارئ - أن الجاحظ مات من جراء انهيار رفِّ الكُتُب عليه؛ فَقَضَى في سبيل الكتاب الذي أحبه، وأفنى العمر في صقله، والدعوة إلى الاستمتاع به؟! فيالها من مأساة محزنة، وخاتمة شريفة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت