ولا ريب في أنَّ عاقبة هذه الحالة لا تؤدي إلى شعور الأسرة بالحرج وضيق المدى الحيوي فحسب؛ بل إنَّ زوجتي - وقد أيأسها هذا البلاء، والوقوف دون امتداده، التي ترفع يديها إلى العلاء كلما رأتني متأبطًا رزمة، صائحة:"أشبعك الله كُتُبًا، أنَّى لنا بالمكان الذي يسعُ كل هذا؟!"- قد دبَّ في قلبها القنوط من إيجاد حدود واضحة، وخطوط فاصلة بين المكتبة وبقية أقسام الدار، حتى كادت هذه أن تتحول إلى مستودع أو دكان ورَّاق، ويئستُ أنا أيضًا من الإفادة من هذه الكتب على وجه يُسوِّغ وجودها، وعناء اقتنائها، فما أكثر ما يَعِزُّ الوصول إلى ما أبتغي بين هذه الكتب المكدسة، وما أكثر ما أدس بين الرفوف؛ سعيًا وراء ضالتي، وقد أعود من هذه الرحلة أشعثَ، أغبر، مخدش اليدين، مغيظًا، محنقًا؛ لعجزي وإخفاقي، وما أكثر ما كنت أشفق من الجهد الذي يلزَمُنِي لِلْعُثور على كتاب، فأتغاضَى عن ذلك، والحسرة تملأ نفسي، وقد ألجأ إلى المكتبات العامَّة، أو الإعارة من الأصدقاء.
وقد بدأتْ طلائع الأزمة في الغرب، حيث تصور الكتب على أفلام صغيرة، تُقرأ عند الحاجة إليها بواسطة آلات يدعونها"القارئات". ولا أدري اسم ذلك العبقري، الذي نصح قارئ عصره بأن يقرأ الكتاب وبيده مقص، كلما مرَّ بصفحة استجادها، أو عبارة نالت إعجابه، أو فصلٍ توسم فيه فائدة أو متعة، قصَّه ورمى ببقية الكتاب في سلة المهمَلات. ولو عملنا بهذه النصيحة لَمَا وقعنا بهذا الضيق، ولأضْحَتْ مكتباتُنا قصاصاتِ ورقٍ، تضمها مصنفات وأضابير، تشغل حيزًا صغيرًا في الأبعاد الثلاثة! ولولا احترامي للكِتَاب، وتقديسي للحرف، وإكباري كلَّ مَن كَتَبَ سطرًا؛ لعملتُ بهذا الرأي فأرحت واسترحت. وهذا لا يعني بأني لم أضق ذرعًا بتلك الكتب، فقد عزمت أكثر من مرة على الخلاص منها كلها، أو قسم منها على أقل، ثم لا ألبث أن يتملَّكني الذعر، فأقول في نفسي: كيف أضيع هذه الثروة التي هي جزء من كياني؟!