(( فوق تلٍّ من تلال غابة نائية كان يعيش رجل شيخ مع ابن له وجواد، ذات صباح هرب الجواد واختفى؛ فأقبل الجيران على الشيخ يعزّونه بنكبته، فقال لهم الشيخ: ومن أدراكم أنها نكبة؟ فصمتوا وانصرفوا واجمين! ولم تمض أيام حتى عاد الجواد إلى صاحبه مصطحبًا معه العديد من الخيول البرّية؛ فعاد الجيران إلى الشيخ فرحين مهنئين بهذا الغُنم الموفور، وهذا الحظ السعيد، فنظر إليهم الشيخ بهدوء وقال: ومن أدراكم أنه حظٌ سعيد؟ فسكتوا مذهولين، وانصرفوا متحيّرين!! ومرَّت الأيام، أخذ ابن الشيخ يروّض الخيول، فامتطى منها جوادًا عنيدًا، فسقط من فوق صهوته إلى الأرض فكُسِرتْ ساقُه، فرجع الجيران مرّةً أخرى إلى الشيخ محزونين، يبثّونه ألمهم لما وقع لولده، ويعزّونه في هذا الحظ العاثر، فقال لهم الشيخ: ومن أدراكم أنه حظٌّ عاثر؟ فانصرفوا صامتين!! ومضى عام، وإذا الحرب العالمية تقوم، وجُنِّد الشباب وأرسلوا إلى الميدان، فلاقى أكثرهم حتفه إلا ابن الشيخ، فإنَّ العرج الذي بقدمه أعفاه من الذهاب إلى الحرب؛ وأنقذه من ملاقاة الموت!! ) ).
انصرفت محدّثتي مع زميلتها، وتركتاني وحدي أتحاور مع الورقة والقلم لأكتب حصيلة هذه الجلسة التي تعلّمت منها أن التّواضع سرُّ التواصل مع الآخرين، وأن عمق النظرة هو الذي يرينا الحقيقة الكاملة، وأن الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها التقطها!!