ولقد قيل: رُبَّ أستاذ حارَ في سؤال تلميذ. ومعنى ذلك أن المعلومات ليست وقفًا على الدارسين، فالعقل البشري يعمل دائماً، وقد يفيد من موقف عابر فيَصوغ مثلاً، وقد يأخذ العبرة من حَدَثٍ غريب فيعطي حكمة، وكل إنسان - مهما ضعف شأنه - لابدَّ أن يملك رصيدًا فكريًا ولو يسيراً يفيد به الآخرين، وقد تُومض فكرة في رأس إنسان يكون لها أثر كبير في تغيير مسار إنسان آخر.
إنني أجلس معكما، ولكني أرى المستقبل من خلالكما، فالعاقل ينبغي ألا ينظر إلى الحاضر فحسب بل يتخطاه إلى المستقبل، وألا ينظر إلى الحدث منفصلاً عن غيره، بل متصلاً بما قبله وبما بعده، أي ينظر إلى الأمور جملة نظرة شاملة عميقة، وهذا هو سر جلوسي معكما والتحدث إليكما.
قالت مستفسرة: كيف؟! أنا لا أفهم؟
قلت موضّحة: لا بأس، أنتِ الآن طالبة في بداية المرحلة الثانوية، ومتفوِّقة، فإذا حافظت على مستواك فستتخرجين في المستقبل بإذن الله طبيبة أو مهندسة، وهذا مما يدفعني ويشجعني على الجلوس معكِ، فأنا أقرأ فيك المستقبل المشرق بإذن الله. أما أنا فأمثّل الماضي، وقد يكون للماضي جلاله وجماله، وقد تكون له قدسيته، لكنه ينبغي ألا يشغلنا عن الحاضر والمستقبل، وأنت وزميلتك وغيركما مفاتيح المستقبل الآتي.
نظرت محدّثتي إليَّ دهشة لكنها مقتنعة، ثم تمتمت: أيّ سرٍّ فيكِ!!!
قلت مصحِّحةً لها نظرتها السريعة: كل مخلوق هو سرٌّ من أسرار الله، ومهما صغر شأن الإنسان لابد أن يحمل في طيَّات ذاته ميزة خاصة، وعلامة مميّزة، وأنا أحترم الإنسان لتلك العلامة التي يحملها والتي مَهَرَتْها يد الخالق بتوقيعها.