"وكنتُ كلما شكوتُ من هذا الطعام قالوا: ستذوق (الجودك) ؛ فتعرف ما لذة الطعام الإندونيسي، فهو أفخر طعام في الدنيا! فإذا بي أجد في فمي (شوربة) زيت الخروع بصبغة اليود!! ولم أستطع أن أبتلع اللقمة؛ فقلت: واشوقاه إلى الشام وطعام الشام!!" [23] .
ولم يَفُتهُ الحديث عن المساجد في (جاكرتا) ، وسعتها وجمالها [24] .
والحديث عن رحلات الشيخ علي الطنطاوي يطول بمقدار طول حديثه هو عن هذه الرحلات، الذي امتاز بدقة الوصف، وكثرة التمثيل، والإسهاب، وكثرة الاستطراد، كما امتاز بأسلوبه الأدبي الرشيق، الذي جعل رحلاته تتقدم على كثير من كتب الرحلات الحديثة، التي اهتمت بالموضوعية أكثر من اهتمامها بالأسلوب.
مع حَدْوِ القافلة:
أيها الراحل فينا من الوريد إلى الوريد، كيف نبكيك، وأنت أعمق من أن تحدوك قوافي الشعراء؟!.
كيف نشدو لك أشواق الروح؟ فأي لغة شفيفة تراها تحيط بذكرياتك؟! كيف نحاور اليوم دمشق بكل ينابيعها المفعمة بدفء نبضك لتحنو عليك؟!.
أي تاريخ غدا قطوفًا دانيةً من صفاء أحاسيسك؟! أي تاريخ قرأناه معك عابقًا في حياة أبي بكر، وأخبار عمر، رضي الله عنهما؟! ترى أنَّى نحدثك، وكل ما نسطره لن يفيض عن حديث أنفاسك؟!.
أتموت واقفًا، أبيًا، فقيهًا، أديبًا، في الزمن الصعب، زمن التردي، حين داهمنا ركان الخنوع والانكسار؟!.
أتموت شامخًا؛ وكنا نسألك حين تعز الأسئلة، حين نتوجس راجعين منحنين من ثقل المعصية؟!.
أتموت ونحن لم نزل نهدهد آهاتنا، نفرُّ من نفحات الألم إلى"نفحات الحرم"، التي تداعب أزهار سطورك؟!.
من منا تراه سيهاتفك وأنت الذي هاتفت عروقنا اليابسة بأندى"هتاف المجد"؟!.
هل ترانا نشعل الجراح ثانية، وأنت الذي أشعلت جراحنا في"قصتنا مع اليهود"، وأوغلت بنا في"صور من الشرق الأسير"؟!.
عمَّ نتحدث إليك وأنت الذي أضأت حروفنا المتعبة في دمغ زيف الحضارة عبر"موقفنا من الحضارة الغربية"؟!.