فهرس الكتاب

الصفحة 816 من 19127

وإذا كانت رحلته إلى الحجاز غلب عليها وصف الطبيعة القاسية، وعرض الأهوال والمخاوف التي لاقتها القافلة؛ فإن له رحلة أخرى أبعد مدى، وأطول زمنًا، وأمتع طبيعة، وألين جانبًا، إنها رحلته إلى إندونيسيا، التي قام بها عام 1954م، في وفد أرسله (المؤتمر الإسلامي) الذي انعقد في القدس لنُصرة فلسطين، وشرح القضية للمسلمين؛ ليشاركوا فيها جهادًا بأموالهم.

وقد استغرقت رحلته هذه ثمانية أشهر، جال خلالها في أرجاء العالم الإسلامي شرقًا، حتى وصل إلى إندونيسيا، مرورًا بالعراق وباكستان والهند وبورما وسيام والملايوا وسنغافورة، وبعد أن عاد سجَّل رحلته هذه عبر أحاديثه الإذاعية، ومقالاته في مجلة"المسلمون"، ثم جمع ما أذاع وما نشر في كتاب اسمه"في إندونيسيا.. صورٌ من الشرق"، وتحدث عنها أيضًا في"ذكرياته".

وهو كلما وصل فيما كتب إلى دولة أو مدينة؛ وقف عند طبيعتها، يستجلي جمالها وخضرتها، وأنهارها الجارية، وجوِّهًا اللطيف، وتحدَّث عن تاريخها الغابر، وعن وصول الإسلام إليها، وتناول واقعها المعاصر من ثوراتها التي أوصلتها إلى الاستقلال، وحركاتها السياسية، وتطوراتها الاجتماعية والعمرانية، وعادات شعوبها، وكأنه آلة تصوير للصورة والصوت، مع لمس المشاعر والأحاسيس والعقائد والمواقف.

(جَاوَة) جنة الدنيا:

فهو عندما وصل إلى (جاكرتا) رآها جنة الدنيا، وعدَّها (سويسرا الشرق) ، فيقول:

"وليست جنة الدنيا الشام ولا لبنان ولا سويسرا، ولكنها (جَاوَة) ، مَنْ رآها فقد علم أني أقول حقًّا، ومَنْ لم يرها لم يغنه عن مرآها البيان! أمضيتُ فيها يومين، ما رأيت في حياتي يومين كانا أمتع لنفسي متعةً، وأحلى في عيني منظرًا، وأبقى في قلبي أثرًا منهما، قطعت فيها الجزيرة بالقطار، في طريقٍ ما رأيتُ ولا سمعت - ولا أظن أني سأرى أو أسمع - أن في الدنيا طريقًا أجمل منه" [16] .

وكان يقف في وصفه عند بعض مغانيها؛ فيصور بقلمه جمالها.

بين الماضي والحاضر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت