واختار هذا القول الحنفية في رواية لهم [83] وهو قول عند المالكية إن كان مثلها لا يرضع [84] وقول عند الشافعية لقوله تعالى [85] : {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} والأم أحق بالرضاعة من غيرها مما يدل على أن استئجار الزوج لها جائز [86] إذ أن الرضاعة لو كانت متحتمة على الأم لم يكن على الأب أجرة ولهذا قال الله تعالى [87] : {وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [88] ومن المعروف بذل الأجرة للأم إذا رغبت في إرضاعه بأجر ولو كانت في عصمة الزوج.
وأجاب أصحاب هذا القول عن استدلال أصحاب القول الأول بأن عقد الرضاعة يمنع الزوج من استيفاء حقه من الإستمتاع: بأن الإستئجار رضى بترك حقه في الإستمتاع خاصة إذا كان الرضاع لا يمنعه من الإستمتاع ولا ينقصه حقه [89] ثم إنه إذا استأجرها فقد أذن لها في إجارة نفسها فصح كما يصح من الأجنبي [90] .
وأجابوا عن استدلال أصحاب القول الأول بكون المنافع مملوكة للزوج غير صحيح لأن الزوج لو ملك منفعة الحضانة لملك إجبارها عليها، ولم تجز إجارة نفسها لغيره بإذنه ولكانت الأجرة له [91] .
قلت وهذا يختلف عن الإرضاع إذ أنه يتعين على المرأة في بعض الحالات كما سبق [92] بخلاف تأجير نفسها للغير فلا يتعين عليها البتة لانشغالها بخدمة زوجها والرضاع جزء من هذه الخدمة.
والزوج كيف له أن يؤجرها لإرضاع ولدها في الوقت الذي يقوم بالإنفاق عليها وقوله تعالى [93] : {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} فهذه الآية خاصة بالمطلقات إذ أن الزوج لا ينفق عليها مما يوجب لها الأجرة أثناء الرضاع أما الزوجات اللاتي بعصمة الزوج فأوجب القرآن لهن الرزق والكسوة بالمعروف ولا زيادة على ذلك وتدخل نفقة الطفل ضمن نفقة أمه لكونه يتغذى بغذائها سواء كانت حاملاً أم مرضعاً [94] وهذا يؤكد أن المرأة بعصمة زوجها لا تستحق أجرة لرضاع ولدها وأن القول الأول أرجح.