وبناءً على ذلك فإنَّ الإسلام يدعو إلى تكافؤ الفرص للجميع، ولا يعيق أي إنسان في مجتمعه من أن يقوم باستعمال طاقاته، وتوجيه قابلياته، ووضعها في خدمة مجتمعه؛ لأنه يدعو إلى العمل الصالح في ذاته، والعمل الصالح هذا يتولَّد من تفجير الطاقات الإنسانية، ولن تكون لهذه الميزة قيمة في الإنسان إذا لم تعط الفرصة الكاملة المتساوية للجميع؛ كي يتنافسوا تنافسًا شريفًا، وفي ذلك يقول تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ} [8] ، ويقول: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [9] .
ومن المعلوم أن الإسلام لا يجعل هذا التنافس أو السعي قاصرًا على المسلمين؛ وإنما يدعو الأفراد الذين ينتمون إلى مجتمعه، مسلمين وغير مسلمين، إلى الاشتراك في التنمية الاجتماعية، وبناء الحضارة الإنسانية، طالما أن الخليفة هو الإنسان، وليس للمسلم فحسب، قال تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [10] .
قال الإمام الرازي:"أي جعلنا لكم فيها مكانًا وقرارًا، ومكناكم فيها، وأقدرناكم على التصرف فيها، وجعلنا لكم معايش" [11] .
وعلى ذلك فالخطاب موجه لبني الإنسان جميعًا، حيث إنهم مكنوا جميعًا دون تفريق، والحقائق التاريخية شاهدة على أن سمات المجتمع الإسلامي عبر التاريخ كانت سمات إنسانية، فلو راجعنا التاريخ الحضاري لأمتنا لوجدنا أن العناصر الإسلامية وغير الإسلامية اشتركت في عملية البناء الاجتماعي، وكانت الفرص متكافئة أمامها جميعًا لإثبات وجودها وإظهار مهاراتها في مجالات الحياة كلها.
يقول آدم متز:"ولم يكن في التشريع الإسلامي ما يغلق دون أهل الذمة أي باب من أبواب الأعمال، وكان قدمهم راسخًا في الصناعات التي تدر أرباحًا وافرة، فكانوا صيارفة وتجارًا، وأصحاب ضياع وأطباء."