فكان أن سمع عثمانُ من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك الجواب الذي لم يكن ليتوقَّعه أبدًا: (( يا عثمانُ، لعلَّك سترى هذا المفتاحَ يومًا بيدي أضعُه حيث شئت ) ). ونزل الجوابُ على قلب عثمانَ كالصاعقة، ودارت عيونه في محاجرها وهو يلمس الثقة والإيمان تقطر من هذه الكلمات.
وأخذته حميَّة قومه فأجاب وقد احمرَّ وجهُه وانتفخت أوداجه يتلعثم تكاد حروف كلماته يقتل بعضُها بعضًا: لقد هلكت قريش يومئذ وذلَّت إذ تضع مفتاح الكعبة بيدك!
فردَّ النبي صلى الله عليه وسلم بثقة وسكينة: (( بل عمرت وعزَّت يومئذ ) ).
واقترب محمد (صلى الله عليه وسلم) أكثر ودخل الكعبة، وترك عثمان مذهولاً بالجواب الصادق، يتغلغل إلى وعيه شيئًا فشيئًا..
وما إن انفضَّ الناس حتى أغلق عثمانُ الباب وقفل عائدًا إلى بيته، لا تبرح صور الحوار مع محمد -صلى الله عليه وسلم- مخيِّلته ولا تزال كلماته تتردَّد في رُوْعِه.
أحقًّا سيؤول الأمر إلى ما قال محمد، أتعجِز قريش أن تصدَّ هذا الصابئَ ومن تابعَه، وما هم إلا رهطٌ قليل جلُّهم من الفقراء والضعفاء؟ بل إنها قادرة على أن تستأصل شأفتهم!.
لكن واقع الحال غير ذلك، إن أتباع محمد في ازدياد برغم ما تكيلهم قريش من أصناف العذاب، حتى إن إحدهم ليوشك على الهلاك من شدة ما يصيبه من تعذيب، وهو صابر ثابت يأبى أن يُثني على آلهتنا ببنت شفة أو أن يذمَّ محمدًا بكُليمة.
ما هذا السحر الذي جاء به هذا الرجل؟ ثم إن محمدًا يعرضُ نفسه على قبائل العرب في موسم الحجِّ كل عام، ماذا لو صدَّق به أحدٌ منهم؟ ماذا لو اتبعته إحدى القبائل؟ لا.. لا.. إن ذلك لن يحصل، وها هي ذي ثقيفُ قد صدَّته حين أقبل إليها يدعوها؟ لكن ثقيف ذات مصالح مع قريش وهذا ما دعاها لصدِّه، فماذا لو كانت غيرها أكانت صبأت؟؟ آه يا مناة!! إن هذا الأمر يُدير الرأس...