وتنشأ المروءة العربية إِمّا من تأثُّرات العرب بما تبقى من رسالات سماوية، وأديان وشرائع أوحى الله بها إلى الرسل الذين لم تخلُ أمةٌ منهم، أو أنها تكون من الفِطَر السليمة التي لم تُلوث، أو من العقول الحكيمة التي تعمقت في النظر في معاني الحياة وتجارِب الناس؛ فاهتدت إلى تلك المعاني وصاغتها شعرًا.
ولا يخفى أن العربيَّ والعرب لم يكونوا أقلَّ من غيرهم اتصافا بالشمائل والمناقب والصفات الكريمة والأخلاق الرفيعة، إن لم يكونوا أفضلَهم في شدة بأسهم وفروسية أخلاقهم؛ وذلك أهَّلهم لتنزُّلِ رسالة الإسلام عليهم، واختيارهم لأن يكونوا مادة الإسلام الأولى. وقد عقد ابن خلدون فصلا في مقدمته بيَّنَ فيه"أن أهل البدو أقرب إلى الخير من أهل الحضر، وسببه أن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئة لقبول ما يرد عليها وينطبع فيها من خير..."وقال في موضع آخر:"وهم مع ذلك أسرع الناس قبولا للحق والهدى؛ لسلامة طباعهم من عوج الملكات وبراءتهم من ذميم الأخلاق..."، مع ما هم عليه من ضلال في الأديان، وظلم في التشريعات، وتواضع منزلتهم السياسية بين الأمم.
ونظرًا للتقدير الكبير والمكانة العالية التي كان الشعر يتبوؤها في الحياة العربية؛ تلك المكانة التي أمدته بالسيرورة والانتشار وشرف الاستقبال، فقد كان من الطبيعي أن ينهض الشعر بتلك المهمة؛ بأن يكون هو الخطابَ الأدبيَّ الحافلَ بالقواعد الأخلاقية المحكَّمة، والمثل العليا التي يسعى العربي إلى تمثُّلها.
وقد كانت النفس العربية آنذاك؛ تتصف بالاستعصاء أنفةً وإباءً، وتستصعب أن يعظها أحدٌ غيرها. وهي لا بد لها من وعظ وتذكير، ولا ينفعها مثلُ اتعاظها من نفسها.
لن ترجع الأنفسُ عن غَيِّها = حتى يُرى منها لها واعظ