فهرس الكتاب

الصفحة 7739 من 19127

وقيل لمعاوية: ما المروءة؟ فقال: احتمال الجريرة، وإصلاح أمر العشيرة. فقيل له: وما النُّبْلُ؟ فقال: الحِلْمُ عند الغضب، والعفو عند القدرة..."."

ويبدو أنهم قد اختلفوا في أيِّ الصفات أقرب إلى تحقيق المروءة، وأيها أولى برفع المنزلة واستجلاب الهيبة؛ فرآها بعضُهم في إصلاح المال، ورآها آخرون في صفات معنوية أخرى.

وتلتقي المروءة في الاشتقاق مع المَرْء، وهو الواحد من بني آدم، فكأنها إذ تصبغه بتلك الصفات الجميلة، تردُّه إلى إنسانيته التي خُلق عليها: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] أما رَدُّهُ أسفلَ سافلين فقد يكون بالهوى الذي تميل النفوس إليه، أو بالاستجابة إلى وساوس الشيطان: أي أن الله عز وجل خلق جنس الإنسان في أحسن شكل، متصفًا بأجمل الصفات وأكملها... لكن الله سبحانه قد رده أسفل سافلين؛ بكفره وعصيانه واتّباعه لهواه.

ومن هنا جاء قول الشاعر لبيد بن ربيعة:

ما عاتبَ المرءَ الكريمَ كنفسِه والمرءُ يصلحُهُ الجليسُ الصالحُ

فالفطرة الإنسانية التي فطر الله الإنسان عليها كريمةٌ، لكنها معرضة للتلوث والانحراف، أو الانحطاط باتباع الهوى؛ فجاء الدين للحفاظ عليها نقيةً قويمةً، وجاءت الأنظمة والتشريعات لضبطها وإرشاد الإنسان إلى ما لا يُضمن اهتداؤه إليه بنفسه.

فمن أصاب من الشعراء صفةً من الصفات الكريمة التي فطر الله الإنسان عليها فقد تضمن شعرُه ما يحيي المروءة، ويذكي ذكرها تنويها وتمجيدًا، وبناء على كون المروءة جامعةً للمحاسن كلِّها، فإنك واجدُها في الكرم، وعزة النفس، والحفاظ على الجار، والكرم والجود، والإيثار، والشجاعة والنجدة، والقناعة والزهد بمتاع الدنيا الفانية، وطهارة العرض، والحياء، والحفاظ على العهد والوفاء بالوعد، وعدم احتمال الضيم، وفي الصبر وعدم الملل أو الضجر، وفي نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف، وغيرها من المناقب والمحاسن الخلقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت