على أن الوالدة هي المدرسة الوحيدة للطفل فلها التأثير الأكبر على الولد إذ ليس أفعل في النفس من رؤية أم تر أم ولدها وتحنو عليه بالعطف والشفقة، لأن قلب الأم مدرسة الطفل، وإن عظماء الرجال يرثون عناصر عظمتهم من أمهاتهم. فإذا كانت الأم أوروبية أو كتابية فلن تحدث ولدها بتاريخ وطنه ولا بأمجاد أجداده وبطولاتهم وما حصلوه من العلوم والمعرفة، بل تلقنه حوادث أجدادها ومآثرهم وتدفعه إلى تقديس شارل مارتيل وذم عبدالرحمن الغافقي مثلاً، وتلقي في روعه احترام ريتشارد قلب الأسد والإغضاء عن ذكر صلاح الدين، وتحدثه عن مستعمرات قومها وامتهان العرب ولا تذكر له ما قاله غوستاف لوبون: لم ير التاريخ فاتحاً أرحم من العرب. ثم تسعى لأن تنفث سمومها فيه لتجعله يشعر كأنه يتربى في محيط غربي. وما دام التوجيه الغريزي عند الأم قد أصبح أجنبياً محضاً، فبنتيجته الحتمية تدفع أولادها إلى كره وطنهم وتفضيل أخوالهم والتزوج من أولادهم ذكوراً وأناثاً. وقد قرأت مقالاً في مجلة الحضارة الإسلامية في العدد العاشر سنة 1962م بأنه في حادث العدوان الثلاثي قد أسر عدد من الضباط المصريين وسجنوا في إسرائيل، ثم خيروهم بين العودة إلى بلادهم أو البقاء في إسرائيل فاختار أحدهم البقاء عندهم ثم رحل إلى انكلترا واتخذ الجنسية الانكليزية، وقد تستغرب هذا الخبر مع أن أباه عربي أصيل في مصر ولكن هذه الغرابة تزول إذا علمنا أن أمه كانت انكليزية.
المقابسة بين المرأة الغربية والمرأة الشرقية:
إن المرأة الغربية كانت تمتاز عن المرأة الشرقية بسعة ثقافتها، وأما الآن فإن المرأة الشرقية قد بلغت مبلغاً كبيراً في العلم وقطعت شوطاً بعيداً بالثقافة وأصبحت تدرك معنى العلم وتقدره وتسعى لتربية أولادها على أساس علمي صحيح. هذا ما أغنانا عن الزواج بالأجنبيات.