ولا إِخالُ حضرةَ قاسم بك أمين لا يوافقني على ما أَثْبَتُّهُ في هذا الشأن؛ فَقَدْ وَفَّى الموضوعَ حقَّهُ في كتاب"الرد على الدوق داركور"؛ حيث أبان بأحسنِ بيانٍ أنَّ الحريَّة المطلقة للمرأة الغربية قتلتْ عِدَّة فضائلَ، بِخلافِ الحجاب في الشرق فإنَّه حَفِظَ منَ الكمالات جُلَّها، إن لم يكن كلها.
نعم إن صاحب"المرأة الجديدة"ذهب في لُزوم الحُرّيَّة لِلنساء مَذْهبًا بعيدًا، وخالف ما قاله في كتاب"الرد على الدوق داركور". ولكن لِيسمحْ لي حضرتُهُ بأن أُوافِق كثيرًا قاسم بك أمين مؤلِّفَ"الرد على الدوق داركور"، وأُخالِفَ في مسائلَ عديدةٍ قاسم بك أمين مؤلِّفَ"تحرير المرأة"و"المرأة الجديدة".
فقد فات حضرتَهُ أنَّ بِلادَ أمريكا الَّتي أخذها قاعدةً لِحُكْمه وقياسِه تخالِف بلادَنا مخالَفَةً تامَّة في الأخلاق والعوائد والأميال، وأن تلكَ بلادٌ أُنشِئَتْ حرَّةً في أيَّام نَشْأَتِها، وقرَّرتْ للمرأة حُرِّيةً تامَّة منَ اليوم الذي وُضِعَ فيه لها دُستورٌ ونِظام؛ ولكن ما وافق تلك البلادَ لا يوافِق مِصْرَ وغيرَها من بلاد الإسلام؛ لأن العوائد والأميال متبايِنة تبايُنًا واضحًا.
ذلك فَضْلاً عن أنَّ بعضَ أنصارِ رَفْعِ الحجاب يقولون:"إنَّ حُرّيَّة النّساء بما فيها من المضارِّ - حتَّى الزِّنا - خير منَ الحجاب المصحوب بالفضيلة القَهْرِيَّة"، وهو ما لا أراهُ أبدًا؛ فإنَّه خَيْرٌ لِرَجُل يَشْعُرُ أن يموت ويُدفَنَ عن أن يرى مِن أهله أو مِن بَيْتِهِ امرأةً تَزْنِي، ولو كانت بَهْجَةَ العِلْم وحِلْيَتَهُ.
ولستُ أدْرِي إذا كان هذا الشعورُ شُعورًا طبيعيًّا عند كُلِّ الرِّجال، أوْ مَنْشَؤُه المِيراثُ الَّذي يَحْمِلُه كُلٌّ منَّا في دَمِهِ من أخلاق آبائِهِ وأجدادِهِ، وسواءٌ كان هذا أو ذاك، فإنَّ الحُرّيَّة التي تَقتل العِصْمَةَ شَرٌّ عندي منَ الحجاب القاتِل للرذائل.