كان ذلك في أيام مثل أيامنا، إذ اجتمعت دولُ الكفر والإلحاد، وتكالبت وتحزبت على المؤمنين، {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8] حفر المسلمون الخندقَ حول المدينة، فظهرت صخرةٌ عجز عن كسرها الأصحابُ، فشمر لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ساعده المتين، فقال لأصحابه: (( دعوني فأكون أول من ضَرَبَهَا، فقال: بِسْمِ اللَّهِ، فَضَرَبَهَا، فَوَقَعَتْ فِلْقَةٌ ثُلُثُهَا، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ قُصُورُ الرُّومِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِأُخْرَى فَوَقَعَتْ فِلْقَةٌ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ قُصُورُ فَارِسَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ) ) [1] .
نعم.. الله أكبر في هذا الموقف العظيم، الكفار مجتمعون حول المدينة بعدتهم وعتادهم، والموقف صعب وشديد كما وصفه الله في كتابه {إِذْ جَآءُوكُم مّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَاْ} [الأحزاب: 10] ، ومع عظم الخطب واشتداد الأمر وضيق الحال، كما قال الله تبارك وتعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 11] ينادي النبي -صلى الله عليه وسلم- مبشراً بفتح فارس والروم وسلب كنوزها، هذا كلام لا يصدر إلا عن ثقة تامة بنصر الله لأوليائه، وتعلق كبير بالله خالق الأسباب، وهازم الأحزاب، وأن النصر بيد الله وحده، وإن كانوا في مثل هذا الموقف العصيب.