فهرس الكتاب

الصفحة 7537 من 19127

وأما فتنة المال في تمويله فمن الناس من كان المال أكبر همه وشغل قلبه ولا نصب عينه إلا المال، إن قام فهو يفكر فيه وإن قعد فهو يفكر فيه وإن نام كانت أحلامه فيه، فالمال ملء قلبه وبصر عينه وسمع أذنه وشغل فكره يقظة ومناماً، حتى عباداته لم تسلم فهو يفكر في ماله في صلاته وفي قراءته وفي ذكره كأنما خلق المال وحده، فهو النهم الذي لا يشبع والمفتون الذي لا يقلع، ومع ذلك الهم والفتنة فلن يأتيه من الرزق إلا ما كتب له، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها. ومن الناس من عرف للمال حقه ونزله منزلته فلم يكن أكبر همه ولا مبلغ علمه، وإنما جعله في يده لا في قلبه فلم يشغله عن ذكر الله ولا عن الصلاة ولا عن القيام بشرائع الدين ولا فروضه، بل جعله وسيلة يتوسل بها إلى فعل الخيرات ونفع القرابات وذوي الحاجات، فهذا هو صاحب العيش الرغد المحصل لما كتب له في الرزق من غير تعب في قلبه ولا نكد، وأما الفتنة في إنفاق المال فإن الناس انقسموا إلى ثلاثة أقسام: منهم البخيل الذي منع حق الله وحق عباده في ماله، فلم يؤد الزكاة ولم ينفق على من يجب الإنفاق عليه من الأهل والمماليك والقرابات، ومن الناس المسرف المفرط الذي يبذر ماله وينفقه في غير وجهه وفيما لا يحمد عليه شرعاً ولا عرفاً، فهذا من إخوان الشياطين، ومن الناس من إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا قد بذلوا الواجبات وكملوها بالمستحبات وبذلوا ما يحمدون عليه في العادات، فهؤلاء هم عباد الرحمن الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما. أيها المسلمون اتقوا الله تعالى وأجملوا في طلب الأموال، اطلبوها على وجه مباح حلال فإنكم لن تبقوا للمال أبداً، إنما المال عارية بين أيديكم وأنتم عارية في هذه الدنيا، فإما أن تنتقلوا عنه وتتركوه وأنتم أزهد الناس فيه، وإما أن يسلب من أيديكم وأنتم أحرص الناس عليه فتبوء بالحسرة والندامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت