ولم أكد أسمع تلك العبارة -التي تحاكي النسيم رقةً- حتى وجدت لساني قد أتى على خبر نعيم بن عبد الله النحام، القرشي العدَوِي، وإنما سمى النحام لأنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: دخلتُ الجنة فسمعت نَحمَةً من نعيم فيها، والنحمة السّعلة، وقيل النَّحنَحة، فسمي النحام بذلك، كان قديم الإسلام يقال: إنه أسلم بعد عشرة أنفس قبل إسلام عمر، وكان يكتم إسلامه ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة؛ لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم ويمونهم فقالوا: أقِم عندنا على أيّ دينٍ شِئتَ وأقم في ربعك واكفِنا ما أنت كافٍ من أمور أهلنا، فوالله لا يتعرض أحدٌ إليك إلا ذهبَت أنفسنا جميعاً [3] .
والشاهد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له لما قدم عليه:"قومك يا نعيم كانوا خيرا لك من قومي لي"، قال: بل قومك خير يا رسول الله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"قومي أخرجوني وأقرك قومك... فقال نعيم: يا رسول الله قومك أخرجوك إلى الهجرة، وقومي حبسوني عنها" [4] .
لقد كانت الكلمة الطيبة التي خرجت من شفتي هذا الصحابي غاية في الأدب واللباقة، وكان رده الموفَّق عنواناً على حسن سمته، ودماثة خلقه، وجميل خصاله، ومما علم أن التشبه بالصلاح فلاح، فليتنا نقتدي به.
ـــــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري، 3/1090، (2827) ، ومسلم، 2/699، (1009) .
[2] رواه البخاري، 5/2377، (6113) .
[3] الاستيعاب، 1/476.
[4] المصدر السابق.