فهرس الكتاب

الصفحة 7456 من 19127

والكلمة الخبيثة كشجرة خبيثة، قريبة جذورها، قصيرة فروعها، مُرة ثمارُها، قد بلغ بها السُّوسُ كلَّ مبلغ؛ فلا تنتفع برِي ولا سَماد، كالوتد والحجر لا حياة فيهما؛ رآها صاحب البستان على ذلك الحال فاجتثها فهوت في النار تستعر، قال الله تعالى في شانها: {ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار} [إبراهيم: 26] .

وعوداً إلى الكلمة الطيبة مبدأ الحديث، فقد حدث أن وجّه لنا الأخُ الشريف المقيم بالجزيرة من أقاليم السودان، دعوةً بمناسبة زواج أخيه، فبلغتنا وقد اكتنفها الخطأ، فأخلفنا موعده بغير ملكنا، وجئنا تالي يوم السعد، فما إن رآنا حتى هش وبش، وأقبل علينا مرحبا، ولم يلبث أن جاء بكبش حنيذ فقربه إلى ضيوفه، وعبارات الترحيب تنبعث من لسانه فيفوح أريجها معطراً القرية الخضراء.

وأكثرَ أخونا الشريف من الأسف إذ لم نحضر يوم الفرح لخطأ مُبلِغنا، فكانت إجابتنا الدعوة قضاء لا أداء، فمازحه أحدُنا قائلاً: حق لك الأسف فالخرفان ليست رخيصة هذه الأيام، يعني بهذا أن أسف الشريف على ذبيحته لا على تأخرنا عن العرس، فلم يشرق الشريف بهذا المزاح الثقيل، وأجاب بتلقائية قائلاً: لو أتيتم يوم العرس فالذيبحة الخاصة بكم واجب عليّ، وإنما أردت أن يراكم المدعوون ليعرفوا بأي صحبةٍ صالحة أنعَم.

لقد لامست عباراتُه تلك وجدانَ كل واحد منا، وتقاصر أخونا المازح خجِلاً، ولم يجد كفارة لمزحته إلا عبارات ثناء ودعاء.

إن الشريف لم يكن شاعراً منطيقاً، ولا خطيباً بليغاً، ولم ينل تعليماً نظامياً متقدماً، لكنه لم يُحرم إحساساً مرهفاً، وتعاملاً راقياً، ومنطقاً حسناً، وقد يُحرم ذلك أربابُ الشهادات ومرتادو الجامعات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت