وبعد الحديث عن الشدياق يختار جورج عطية لبنان ومصر نموذجين (للكتاب في العالم العربي الحديث) من خلال إدراكه للسمات المشتركة التي أتاحت لهما التفوق على بقية الدول العربية، فقد كان لكل منها اتصال مبكر ومستمر بالغرب، وخلال الحكم العثماني مارسا نوعاً من الحرية بسبب غياب السلطة العثمانية أو تراخيها. ولم تلبث القبضة العثمانية التي بدأت في عام 1516م - في الوقت نفسه تقريباً الذي طبع فيه أول كتاب عربي في فانو بإيطاليا سنة 1514م - لم تلبث أن ضعفت عندما قبض محمد علي (1805-1849م) على زمام الأمور في مصر سنة 1805م، وعندما حصل لبنان على نوع الحكم الذاتي في عهد بشير الثاني (1798-1840م) وقد زادت سلطة هذا الحكم الذاتي في عهد المتصرفية (1864-1914م) ونال اللبنانيون مزيداً من الحرية في تصريف أمورهم.
وفي أواخر القرن التاسع عشر كان في بيروت وغيرها من المدن اللبنانية أكثر من عشرين مطبعة، إضافة إلى المطبعتين الأمريكية والكاثوليكية. وقد أصدرت تلك المطابع عدة ألوف من الكتب في جميع فروع المعرفة البشرية. ومن الناحية الموضوعية شهدت نهاية القرن تفوق العلوم الإنسانية على الموضوعات الدينية، وهو تحول لافت للانتباه، فقد نشرت كتب في المنطق والفلسفة والأدب والعلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا، إلى جانب كتب العقيدة والقراءات، والطقوس الدينية والأخلاق، والأدب الشعبي، والأشكال الأدبية الجديدة من قصص ومسرحيات.
وعلى خلاف ما حدث في الدول العربية الأخرى، لم يرتبط نمو صناعة الكتاب وتطور الطباعة في لبنان بالحكومة، وإنما ارتبط بالأفراد والمؤسسات، واستطاع اللبنانيون أن يبدعوا أشكالاً جديدة للحروف، وأن يرتفعوا بمستوى الكتب والطباعة بصفة عامة، وإن لم يتحقق فيها مستوى عالٍ من التكشيف والحواشي، وترتيب المحتويات، وتجنب الأخطاء الطباعية.