إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن"إمبراطوراً"مثل بعض الناس إذا دخل بيته؛ بل من تأمل حياته - صلى الله عليه وسلم - وجدها تقريراً لما أسلفناه من: أن القَوامة ليست تسلطاً ولا تعنتاً ولا قهراً، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قالت السيدة عائشة - رضي الله عنها -"إذا كان في بيته يكون في مهنة أهله"، وكانت نساؤه يختصمن بين يديه، وأمثال ذلك كثير، ومن مثل ذلك نتفهم طبيعة القَوامة.
لقد كفل الشرع للمرأة أموراً لو تأملناها لأدركنا مدى التجني على الإسلام، ممن يظنون أنه باسم القَوامة ظلم الإسلام المرأة، فقد كفل لها الشرع حرية الرأي بضوابط، والسنة حافلة بوقائع كثيرة منها:
قصة المرأة المُجَادلة التي جاءت تجادل النبي - صلى الله عليه وسلم - في زوجها وهي خولة بنت ثعلبة ونزلت بسببها آيات معروفة، وهذه خنساء بنت خذام الأنصارية، زوّجَها أبوها وهي ثيّب فكرهت ذلك فأتت الرسول - صلى الله عليه وسلم - فردّ نكاحها، وفي رواية: زوَّجَها أبوها وهي بكر، وهذه امرأة أخرى تبدي رأيها لتعرف مالها من حقوق، كما روى النسائي أن فتاة دخلت على عائشة فقالت:"إن أبي زوجني ابن أخيه؛ ليرفع خسيسته، وأنا كارهه..."وفيه أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل الأمر لها فقالت:"يا رسول الله! قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم أن للنساء من الأمر شيء".
وقصة بريرة وزوجها مغيث أيضاً معروفة، فكانت بريرة أَمَةً وأُعتقت، والأمة إذا أعتقت صار لها الخيار في زوجها، إذا كان رقيقاً أيضاً، فإن شاءت بقيت، وإن شاءت طلقت، وقد اختارت فراقه، وكان مغيث بعد فراق زوجته يمشي خلفها ويبكي ودموعه تسيل على لحيته، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبريرة كما في البخاري:"لو راجعتِهِ!"قالت:"يا رسول الله تأمرني؟"قال:"إنما أنا أشفع"، قالت:"لا حاجة لي فيه".