يتقدَّم بنا القرآن الكريم خُطواتٍ واسعةً أخرى؛ في مَيدان (العدل الاجتماعيِّ) واضعًا -في كلِّ خُطوةٍ يخطوها، وآيةٍ يطرحها- مَعْلمًا من معالم هذا الميدان، ومَبدءًا من مبادئه الأساسيَّة التي تقوم عليها جزئيَّات التَّنفيذ، ويوميَّاته المتغيِّرة المتحوِّلة- إلَّا أنَّ القاعدة تبقى دومًا هي القاعدة-.. يتقدَّم بنا صَوْب حقيقةٍ أخرى لا تقلُّ عن سابقاتها إن لم تَفُقْها على الإطلاق تلك هي: أنّ الناس خلفاء الله في أرضه، وأنَّ أموالهم ليست في (ملكيَّتهم) ابتداءً؛ إنَّما هي (مال الله) استخلفهم فيه؛ لينظر ماذا يصنعون به؟، وفي أيِّ الوجوه يُسَخِّرون قيمته؟، ويعتمدون (منفعته) بإرادتهم الخاصَّة، وحرِّيَّتهم التي منحهم الله إياها تمييزًا لهم عن كثيرٍ من خلائقه، ومعنى هذا أنَّ بني آدم جميعًا يملكون حقَّهم المشروع في هذا المال، وأنَّ (وَكَالته) ، أو (تفويضه الاجتماعيَّ) الموقَّت ليس أبديًّا؛ لأيَّة فئةٍ من الناس لا تمسُّ شروط توظيفها عليه، ولا تعدل في تصريف قيمه ومنافعه: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [100] {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [101] .
والقرآن الكريم يربط هذا (الموقف) الاجتماعيَّ بنظريَّته الشَّاملة عن دَوْر الإنسان في الأرض، ذلك الدور الذي يقوم في أساسه على (خلافته) عن الله في هذا العالم {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا..} [102] ، {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ} [103] ، {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [104] ، {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} [105] .