ومن ثَمَّ؛ كان التَّناقض المحزن الذي عرفه التاريخ مرارًا: أن يأكل هؤلاء، ويشبعوا، ويتجاوزوا الشِّبَع إلى التُّخَمَة، ويتجاوزوا التُّخَمَة إلى التَّكديس؛ بينما أتباعهم، وعبدتهم يتضوَّرون جُوعًا، وهذه الفرضيَّة المحزنة بالنِّسبة لأصحاب المذاهب (المتطهِّرة) ، والأديان الرُّوحيَّة، (والمحرَّفة) ، وبعض الحركات الصُّوفيَّة المتطرِّفة؛ والتي استهجنت الحديث عن الطَّعام والشَّراب، انعكست تمامًا في القرنين الأخيرين وبشكلٍ أشد إيلامًا، في المذاهب المادِّيَّة التي رأت في المَعِدة بدء حياة بني آدم ومنتهاها، ورفعت مسألة الطَّعام والشَّراب إلى مصاف القداسة؛ فإذا بعددٍ من النّاس يأكلون، فيَشْبعون، فيَتْخَمون، فيَتْرفون، فيَكَدسون؛ وإذا بالجماهير السَّاحقة من الناس تكدح وتتصبَّب عرقًا، وتموت مَسْغَبةً وجُوعًا؛ لكي تقدِّم لسَدَنَةِ (الحرم المقدَّس) الجدد الأُضحِيَات والقرابين!!
المهم أنَّ الإسلام -هذا الدِّين (الوسط) - أَوْلى هذه الحاجة الحيويَّة؛ كما أَوْلى الحاجة الجنسيَّة تمامًا، اهتمامه الجادَّ الكبير، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ تمامًا؛ لأنَّ الله- سبحانه الذي خلق الإنسان، وصاغ وظائفه العضويَّة، وقدَّر حاجاته الأساسيَّة- أدرى بمتطلَّبات هذه الحاجات ؛وضرورة تلبيَة نداءاتها الأبديَّة المستمرَّة، وأعلمُ بطبائع الإنسان التي إن لم تنسَّق، وتنظَّم، وترتَّب ضماناتها؛ فإنَّها سوف تُدمِّر نفسها بالأَثَرَةِ والإسراف؛ بينما يموت الآخرون جُوعًا، أو تقتلها بالحجْب، والكبْت، والحرمان، فتشِذُّ بهذا عن منطق التَّكوين البَيُولوجيِّ للإنسان.